لا تحالف مع الشيطان .. جميلة شحادة

جميلة شحادة
جميلة شحادة

 

لم تكن هويدا من اللاتي يعرفن كيف يحتفظن بسرٍ ما، هكذا عُرف عنها، أو؛ هكذا بدت للآخرين. دخلت هويدا ذات صباح نديٍ غرفة «المعلمين» بقامتها الممشوقة ووجهها المشرق الباسم، وروحها المرحة والمُحبة للحياة، وقالت لمن في الغرفة من زميلاتها:

ـ صباح الخير، وأخيرًا خُطبت.

ـ ألف مبروك هويدا.

هتفت الزميلات بصوت واحد وكأنهن في كورال، يرددن وراء مطربة مشهورة لازمة أغنيتها. ولم تنتظر هويدا حتى يسألها زميلاتها عن التفاصيل، بل جلست بجانب إحداهن وراحت تقص عليهن تفاصيل حفل خطوبتها من هاشم ليلة أمس، ولكي تؤكد لهن ما قصته عليهن من تفاصيل الحفل، أخبرتهن أن كل ما قالته موثّق بالصور التي ستعرضها عليهن، حال انتهاء المصور من تحميضها.

لقد صورت هويدا بحديثها لزميلاتها مشهدًا رائعًا وبهيًا عن حفل خطوبتها، وبدت في غاية السعادة والهناء، ولا يعكر سعادتها، سوى سرها الذي لم تبح به لخطيبها بعد. حيث قالت:

ـ لم أخبره بعد، أنني لا آكل اللحم؛ فأنتن تعرفن أني نباتية.

ـ لا أظن أن لهذا الأمر قيمة.

قالت احدى الزميلات.

ـ لا أعرف، لكني أخشى أن أخبر خطيبي هاشم بذلك؛ فهناك رجال لا يرضون أن تكون نساؤهن نباتيات.

أجابت هويدا بشيءٍ من القلق.

ـ على أي حال، سيُكشف أمركِ عاجلاً أم آجلاً.

قالت زميلة أخرى وأضافت:

ـ لِم لا تخبرينه؟ أظن أن الزوج المتفهم، يحترم ويتقبل المختلف عند زوجته.

وهنا، قرع الجرس؛ فانفضَّ مجلس المعلمات، وخرجت هويدا من الغرفة تصطحب قلقها معها، بشأن عدم أكلها للحوم؛ وليته ظل قلقها الوحيد.

تزوجت هويدا، وفرح الجميع لفرحها؛ فعدا عن كونها ساحرة المظهر، كانت هويدا جميلة النفس والروح، وتتحلى بخصالٍ حميدة كثيرة؛ فهي سخية، متواضعة، مؤدبة، مرحة، وتحب الحياة وتعشق الأطفال؛ وبسبب كل هذه الخصال أحبها الجميع، وتمنى لها الخير والسعادة.

توالت الأيام، وأنجبت هويدا طفلها الأول، ثم طفلها الثاني، وغاب عن الجميع أن يسألها عن قلقها بشأن عدم أكلها للحم. وكيف يسألونها وابتسامتها المشرقة كإشراقة الصباح لم تغب عن محياها خلال ست سنوات زواجها ولو للحظة واحدة؟ وكيف يسألونها؟ وهي لم تزدد في هذه السنوات إلا لطفًا ومحبة لطلابها، وأصبحت أكثر سخاءً وعطاء للمحتاجين مما رزقها الله؟ وكيف يسألونها؟ وهي لم تزدد إلا أناقة وجمالاً، اللهم إلا تلك الدائرة الزرقاء أو الحمراء أو الصفراء التي أخذت مكانًا حول إحدى عينيها، أو احتلت مساحة من أحد ساعديها، أو على أي سنتيمتر من جسمها العاجي، والذي سمحت لثيابها أن تكشف عنه.

ولم يجرؤ أحدٌ أن يسأل هويدا عن سبب هذه الدوائر التي أصبحوا يرونها، بشكل دوري، كل أسبوعٍ، أو كل شهر، بألوان مختلفة؛ لتحتل جزءًا من جسمها. أو لعل الصحيح، هو أن هويدا هي التي لم تعطِ مجالاً لأحد لأن يسألها؛ إذ كانت تبادر كل مرة، وتكشف عن سبب هذه الدوائر الملونة، التي تحتل عنوة جزءًا من بهائها؛ فمرة تلعن يد النافذة التي اصطدمت بوجهها، وتارة تلعن قائمة الطاولة التي ضربت بساقها وهكذا… حتى حسب الجميع أن كل الأغراض في منزلها قد تحالفت مع الشيطان ضدها، وتكالبت عليها لتشوّه جمالها بصورة مؤقتة.

 وعندما تيقنت هويدا من لؤم وشراسة الحرب التي بينها وبين أغراض منزلها والمتحالفة مع الشيطان ضدها، قررت أن تضع هدنة بينها وبينهم، وتذهب إلى منزل والديْها.

ـ إذا أردتِ ذلك، فليكن؛  لكن اتركي الأولاد معي، وهم في الحفظ والصون. قال لها ابن الأكابر، زوجها هاشم. لكن هويدا، الأم الحنون، لم تقوَ على ترك طفليْها لصقيع ليلةٍ من ليالي شباط الغادر؛ فعادت تحمل حقائبها المثقلة كما عينيها المثقلتين بالدموع والأسى، وتضعها في ركنٍ قصيٍ من غرفة أطفالها.

 احتضنت هويدا أطفالها، لتشعرهم، وتشعر هي معهم بالأمان؛ لكنها، لم  تعلم ليلتها أن وجودها في بيتها كان أقل أمانًا من النوم مع الأفاعي في فراش واحد. ليلتها غاب القمر، واشتدت حلكة الظلام، وأطل طائر الشؤم برأسه من نافذة، ستائرها الوردية لم تعتد مكانها بعد؛ نظر إليها وهي تحتضن أطفالها الذين كانوا قد غفوا في دفء حضنها؛ وصوّب نحو رأسها رصاصة قاتلة، صارخة بوجه الجميع: «حليفي ليس الشيطان، بل هاشم الثعبان؛ قتل زوجته، وجعلها  في خبر كان».

* من المجموعة القصصية: (لا تحالف مع الشيطان).

* الناصرة ـ فلسطين.

شاهد أيضاً

سيومي خليل

الأموات يروون الحكايات (7ــ 49) .. سيومي خليل

  رواية الماضي: هو (3) ثلاث لحظات من تاريخي لا أنساها؛ لحظة الطرد من المدرسة …

اترك رد