فاطمة عبد الله تحكي عن الريح الحكيمة

الريح الحكيمة

 

كان يا ما كان.. يا سادة يا كرام.. وما يحلا الكلام إلا بذِكْر نبينا عليه الصلاة والسلام.. كان فيه عزبة فيها تعبان من كتر شعره سمّوه الوَحْش.. وكان ضخم.. ممكن ياكل البقر وهو راجع من الغيط، والعيال وهي بتلعب بعيد عن البيت، وحتى الرجاله ممكن ياكلهم لو لقي واحد لوحده.

الناس قعدت تفكر تعمل إيه.. فاتفقوا إن رجالة العزبة كلهم لازم يهجموا عليه ويقتلوه ويخلصوا العزبة من شره.. وعبد الله كان من العزبة بس غيطه بعيد وما بيرجعش العزبة إلا كل فين وفين، فما عرفش بالاتفاق.

التعبان خاف وزحف لحد ما راح لعبد الله وقال له: أنا عندي عيال باربيهم والرجاله عايزة تقتلني.. خبيني الله يخلّي لك عيالك.. عبد الله خباه في حفرة في الغيط.. الرجالة قعدوا يدوروا فترة ع التعبان مالقيوهوش فرجعوا بيوتهم. التعبان اتطمن وخرج من الحفرة، وقال لعبد الله: أنا جعان وما فيش غيرك. أنا حاكلك إنت.

عبد الله قال له: أنا خبّيتك من الرجاله وحميتك من القتل.. ودلوقتي تقول لي آكلك! إنت فعلاً تعبان شرير. التعبان قال له: أنا مش شرير الرجالة هما الأشرار.. حتى اسأل أي حد حيقولك كدا.. حيقولك الرجالة هما الأشرار أما بقية الحاجات مش شريرة.. والتعابين مش شريرة لأنها مش رجالة.

عبد الله كان لوحده وبعيد عن العزبة لو حتى صرخ ما حدش حيغيته، فقعد يفكر وقال للتعبان: طيب تعالى كدا نسأل الحاجات اللي حوالينا.. التعبان وافق.

راحوا للشجرة وسألوها، الشجرة قالت: أنا واقفة هنا قرب الطريق، ولما الشمس بتشد حيلها وتبقى شديدة الرجالة بيقعدوا تحت ضلي وهما مبسوطين، يعني أنا باديهم الخير، لكن تفتكروا هما بيردولي الخير؟! أبدًا. أول ما الدنيا تبرّد يروحوا يجيبوا مناشيرهم وهات يا دبح فيّا وتكسير خشبي ويحرقوني عشان يدّفوا.. شفتم الأشجار طيبة والرجالة أشرار.. يبقى التعبان ياكل عبد الله.

عبد الله قال بسرعة: طيب نروح نسأل الترعة.. راح التعبان معاه وسألوا الترعة، فقالت: أنا بأقدم الخير للرجالة.. الحرّان أرطبه، والجعان ياخد من سمكي ويشبع، واللي عنده جاموسة واللا حتى معزة ياخد من ميّتي ويشربها، ولمّا المطر ينزل أتملي وأسقي غيطانهم، تفتكروا شكروني على النعم والخير دا كله؟! أبدًا. الغضبان يرميني بالحجارة، والزعلان يزقني برجله، واللي بقرته واللا معزته ماتت يرميها عندي، يعني أنا أديهم الحياة وهما يردوا بالموت، يبقى الرجالة أشرار والتعبان يحق له ياكل عبد الله.

عبد الله قال: طيب تعالى نسأل زرع الغيطان. راحوا للزرع وسألوه، قال: أنا بأقدم الخير للرجالة، أديهم الطعام ليهم ولبهايمهم، وياخدوا مني ويحطوا على سطوح بيوتهم، وبيعملوا منه خُص يقيلوا فيه من الشمس، تفتكروا شكروني؟! أبدًا. لما بعض إخواتي من حشيش الأرض يطلع في جناينهم يزعلوا ويشيلوه بغير رحمة، ويقولوا حشايش ضارة، ولما يجف الزرع والحشايش يحرقونا. الرجالة أشرار.. التعبان معاه حق، خليه ياكل عبد الله.

عبد الله قال للتعبان: استنى ما تاكلنيش إلا لما نسأل أول حاجة تقابلنا في السكة دي، وشاور على الطريق، التعبان قال له: ماشي. بس دي آخر مرة وبعدها هآكلك.

مشيوا طريق طويل، وما فيش حاجة قابلتهم، لحد ما هبت الريح، عبد الله قال: نسألها، وافق التعبان، عبد الله قال للريح: الرجالة كانت جاية تقتل التعبان، التعبان طلب مني أحميه، فخبّيته في حفرة، لحد لما اطمن إن الرجالة رجعوا بيوتهم، وبعدها طلع عايز ياكلني. وأنا شايف إن دا شر.. والتعبان بيقول الرجالة هي اللي أشرار والحاجات كلها هاتشهد بكدا.. وعشان كدا هاكلك.. فإيه رأيك يا ريح؟

قالت أسمع التعبان الأول.. التعبان قال لها: سألنا الشجرة والترعة والزرع وحشايش الأرض.. وكلهم قالوا الرجالة أشرار ويحق لي آكل عبد الله وخصوصًا أنا جعان.. فإيه رأيك يا ريح؟

قالت الريح: كل المخلوقات والحاجات عايزة تعيش. وكل واحد فيها بيعمل اللي عايزه عشان يعيش.. وكل الحاجات والمخلوقات عايزة السعادة.. الشجرة عايزة تعيش، والترعة عايزة تفضل تجري لحد البحر، والحشايش والزرع عايزة تكبر، والتعبان عايز ياكل، الرجالة عايزة خشب يولعوا بيه نارهم يطبخوا ويتدفوا وينوروا بيوتهم، والرجالة عايزة الزرع والحشايش تكبر في غيطانهم وجناينهم، كلنا عايزين نعيش ونبقى سُعدا.. حتى أنا سعيدة وهارقص، أول ما رقصت الريح اتهز الزرع واتمايل فانبسط وبقى سعيد ويرقص مع الريح، وفروع الشجرة ميّلت ورقصت، وميّة الترعة اتهزت ورقصت، عبد الله طلّع الناي من سيالته وعزف عليه.. التعبان سمع الناي راح راقص هو كمان.

عبد الله لما شافهم كلهم بيرقصوا هرب بسرعة لبيته؛ لأنه عايز يعيش ويفرح هو كمان.

وتوتة توتة فرغت الحدوتة. حلوة واللا ملتوتة؟

* جمع ميداني الباحثة: فاطمة عبد الله.

* منطقة: كرداسة.

* الراوي: محمد علي دكروري.

شاهد أيضاً

حادي الإبل

يا واخد القرد .. موال شعبي

يا واخد القرد اوعى يخدعك ماله حبل الوداد إن وصلته يقطع احباله تقَضي عمرك حليف …

اترك رد