عمر نجم.. شاعر ربابة يسير بين الفخاخ

عمر نجم

 

«ظبطت نفسي مرة سعيد

متلبسة بميلاد ضحكة

بصيت لنفسي لقيتني سعيد

فـ مراية كنت شاريها جديد

أحلف لكم وأنا مش كداب

على القزاز نبتت تجاعيد

مكرمشة زي الأصحاب

متبعترين فوق السكة»

كلما تذكرت عمر نجم تداهمني صورة «سلامة» ذلك الشيخ الضرير في فيلم «وا إسلاماه».. «سلامة» أهدر سنوات من عمره طواعيةً جوالًا بين الأمصار يحذر من خطر التتار، ومن اقتراب طوفانهم إلى مصر، ببصيرة لم تكن لدى المبصرين أنفسهم، وظل برغم شيخوخته واعتلاله كمن يبحث عن إبرة في كومة من القش.. تلك كانت قضية «سلامة».. و«سلامة» دون أن يرجو أحدًا جزاءً ولا شكورًا جاهد من أجل قضيته الأسمى حتى عثر على مخلّصه.

 

هكذا بالضبط كانت صورة عمر نجم الشاعر.. هي صورة تشبه إلى حد بعيد ذلك المنادي الرائي في الأسواق والأزقة يحذر ويشحذ الهمم:

«تعالى وقرّب بسرعة تعالى

هدايا لجنابك تمنها رخيص

ماتدفعش حاجة.. ولا أى حاجة

صحابها اللي دفعوا وراحوا فطيس

عندي صوابع

تمشي زراير وتنفع طوابع

يمكن تعوزها لحتّة جواب

كتبته لحبيبتك برقّة وعذاب

فزقطط وهيص».

 

ذهب «عمر» بقصيدته إلى القضايا الأكثر إلحاحًا: رصد الأحداث والتعليق عليها.. كشف الفوارق بين الطبقات منتصرًا للبسطاء.. إلى أن وجد ضالته في القضية الفلسطينية بوصفها جوهر الصراع، فاستغرق فيها وغلّبها على معظم كتاباته، محذرًا من خطر النزعة التوسعية للصهيوية، ومن استهانة الأنظمة العربية بشعوبها، واستنامتها لحياة الترف واللامبالاة:

«يا فلسطين الرجال ما بقوش رجالي

العدو مغروز في جوفي

بل ريقه من حروفي

وامتلك نطفة عيالي

ومين هيسأل!

والجواب م الهم أتقل

الطيور نسيت جناحها

والشكوك غلبت يقيني

لسّه فيه شعره بتفصل

بين جنوني وبين جنوني».

قبلاً.. ينبغي أن نرى إلى المشهد الشعري وقتها.. فـ «عمر نجم» قُدِّر له أن يأتي بعد جيل العظماء في قصيدة العامية المصرية، ومن ثم لم يكن أمام ابن جيل السبعينيات من مفر سوى أن ينحت طريقه بين الفخاخ، من أجل اقتناص شعريته الخاصة «فلا هو حداد ولا جاهين ولا حتى الأبنودي»، ربما وجه الشبه الوحيد هو أن هذا الثالوث الشعري أعطى الأولوية القصوى للموضوع على حساب المجاز مثلاً.. وشاعر «الموضوع» ببساطة «قوَّال» يمتلك الشفافية، ولديه حس شاعر الربابة في القرى والساحات الشعبية، فضلاً عن امتلاكه جرأة الخطيب على المنبر.. وهو بذلك يقف على ضفة النهر التي تجذب الشريحة الكبرى من جمهور «المستمعين».. فيما يقف على الضفة الأخرى شاعر يعمد إلى المجاز مثلاً.

 

وهكذا استراح عمر نجم الشاعر للمنطقة الآمنة التي سبقه إليها هذا الثالوث، بوصفها منطقة لا تتسبب في إزعاج مستمعين اعتادوا البساطة ــ لا تعقيدات الصور الشعرية المركبة ــ وتربت آذانهم على الموسيقى المنضبطة ــ لا النثر ــ وتغذى وجدانهم على التحنان والشجن، مفضلاً الإبقاء على منجز السلف بوصفه ــ من وجهة نظره ــ الأنجح لحمل رسالته.

 

«الكلمة جمرة يا عم فؤاد

وصبيّة من حور الجنة

تتقل عليك حبَّة وساعات

يضمها فـ قلبه وريدك

الكلمة تحبل م النبضات

ويتولد منها وليدك

ألاقي فـ ملامحه وطنّا

المادنة اللي صوتها أنين

حارتنا والنيل والحنة

وقلب أمي اللي تمنّى

يعود لنا قلب فلسطين».

 

رحم الله عمر نجم أستاذًا وصديقًا وإنسانًا، وحسبه أنه حقق منجزه الشعري والنقدي وهو بعد لم يصل إلى الأربعين من عمره.

* عمر نجم (سوهاج 1956 ـ 1995).. من أعماله الشعرية: «وف حواريكي الحقيقة، سعيد يعني happy، غياب الحضور.. حضور الغياب، تغريبة عمر نجم».

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

صناعة الأصنام .. رحاب السماحي

  لم تنتابني أية دهشة حيال السعار والزوبعة التي نجمت عن انتقاد الشيخ الشعراوي، كنت …

اترك رد