رقاب الخرفان مرهونة بالعرسان .. فاطمة عبد الله

فاطمة عبد الله

 

يعد تراثنا الغلاف النفسي لعالمنا المعاش، هكذا يقول لسان حال الجماعة الشعبية، ولهذا التراث رباط سحري بالإنسان؛ لأنه يصاحبه من الميلاد وحتى الممات، مرورًا بكل تفاصيل حياته؛ لذلك عُني ضمير الجماعة الشعبية بـ «الخطوبة»، بوصفها جوهرة العقد في العادات الشعبية.. فهي تتويج للرجولة، ومنفس للآمال والأحلام والمشاعر، ومجمع للأحبة والمجاملين، ومخرج لانطلاق القلوب والألسنة.

 

الخطوبة تنويعات شعبية:

 تختلف طقوس الخطوبة في البيئة المصرية؛ وتبدأ طقوس الخطوبة لدى عرب «القناشات» ـ إحدى القبائل المتفرعة من «أبناء علي» ـ بإعلان الأم رغبتها في الفرحة بابنها، ولا يعارضها الأب أبدًا في هذا الأمر، بعدها تذهب الأم وابنتها المتزوجة، أو خالة العريس، للمنزل الذي يعرفن أن به بنات، ويطلبن من صاحبته رؤية بناتها؛ فإذا راقت إحداهن للأم الزائرة قالت لصاحبة البيت: «عايزين نخلط فلانة لابننا فلان»؛ فتنطلق السيدة على الفور لتخبر زوجها/ أبا البنت؛ فيرحب ويطلب منها أن يحضروا في موعد يحدده لهم، وبناء على ذلك يأتي أبو العريس وإخوته الذكور واثنان من أعمامه، ويتحدثون جميعًا لأبي العروس فيقولون له: «نريد نخلط فلانة لفلان»، هنا يطلب أبو الفتاة منهم مهلة أسبوعًا ليعرض الأمر على أعمامها، وهذه المهلة ضرورة عرفية حتى يتمكن من الذهاب لأخوته الرجال واحدًا واحدًا ويسألهم إن كان أحدهم يريد ابنته لأحد أبنائه، فإذا لم يطلبها أحد أبناء أعمامها في هذا الأسبوع يرسل الأب لأهل العريس ويخبرهم بموافقته، ويحدد لهم يومًا لـ «الخلطة»، أي الخطبة، وفي اليوم الموعود يذهب الرجال من أهل العريس إلى بيت العروس، دون أن يصحبوا معهم العريس، والذي ربما حتى هذه اللحظة لا يدري أن الخطبة من أجله!

 

قبل ذهاب أسرة العريس لبيت العروس بيوم يرسل أبو العريس لأبي العروس عِجْلا أو عشرة خِراف وجوال دقيق وجوال سكر وجوال أرز بالإضافة للسمن والزيت.

ويوم الخلطة يقول أحد أقرباء أبي العروس: «سمعونا الفاتحة للنبي»، ويكون ذلك إعلانا عن انعقاد الخطبة، ويتفق أبو العروس مع أبي العريس على المهر، وكان محددًا له من عقد فات مبلغ ثلاثة آلاف جنيه لو كان العريس من نفس العائلة، أو مبلغ يتراوح بين سبعة آلاف جنيه إلى عشرة آلاف إذا كان العريس من خارج العائلة،  ويتقبل أبو العريس الأمر ولا يختلف عليه أبدًا، لأنه يعرف أن أبا العروس سيحضر به الحلي والذهب، أما العريس فعليه تجهيز مكان المعيشة بكامل مستلزماته، ويتفق الطرفان على انعقاد العقد، كتب الكتاب، بعد الخلطة بشهر.

في الوادي الجديد تتم طقوس الخطبة عن طريق «السياق» وهو شخص يوسطه أهل العريس لدى أهل العروس ليؤدي دور المفاوض، ويتفق مع الطرفين على المطالب، وإذا نجح في مهمته تكون له هدية من كلا الطرفين.

يوم الخطبة تُدق «الكف» وهي عادة عربية يجتمع فيها الرجال ليرقصوا ويدقوا الكف مرددين مجاريد وأغاني عَلَم ابتهاجًا بالخطبة.

وكان العريس يذهب حاملا  «البصباصة» وهي شموع موقدة محاطة بجريد النخل تضطرب حركة ضوئها في الظلام، حيث لم تكن الكهرباء قد دخلت القرى وقتها، وتضم البصباصة الشموع والهدايا بين جريد النخل، وكلما كبر حجم ما يحمله العريس كان دليلاً معلنًا على كثرة الهدايا.

إن كانت هذه طقوس الخطبة عند البدو أو العرب، كما يطلق عليهم في مصر، فإن «شرط الشرط» ـ أي الخطبة ـ يتم في الوجه البحري باجتماع أهل العريس بأهل العروس وإعلان الشروط التي يتفق عليها الطرفان، ويكون «الشرط» هو الإعلان الرسمي للخطبة.

ورغم تعدد مسميات الخطبة فالفرح بها واحد، ورغم تنوع التعبير عنها فالشعور مشترك، لأن هذه الخطبة هي حلقة الوصل لربط عنصري التكوين، ولإغراق الأرض بالبنات والبنين.

شاهد أيضاً

حادي الإبل

يا واخد القرد .. موال شعبي

يا واخد القرد اوعى يخدعك ماله حبل الوداد إن وصلته يقطع احباله تقَضي عمرك حليف …

اترك رد