جبر شعث يكتب: البكاء بين يدي أمل دنقل

كنا وما زلنا نؤمن برسالية الشعر، وبنبوءة الشاعر، فالشعر يجب أن يكون مؤسساً على فكرة معينة، ومنطلقاً برؤيا واضحة غير مشتتة، وموصلاً رسالته إلى المتلقي الموجود على الأرض، والشاعر يجب أن يكون (تلباثياً)  يستشعر على البعد، يستشرف الآتي، متنبئاً به، بحسه الشعري وثقافته  التأسيسية المتجاوزة، والتجاوز لا يتحقق  إلا بشرطية التأسيس، وخلخلة وتفكيك القائم الراهن لا يتحقق إلا بشرطية التأصيل، بمعنى؛ خلخلة المؤسس والمؤصل ثم إعادة بنائه وترتيبه، ضمن الخصوصية الثقافية للشاعر، وننبه إلى أن الخصوصية هنا لا تعني انكفاء الشاعر على ذاته، واكتفائه بالعناصر المكونة لثقافته، بل هي الخصوصية المنفتحة على الثقافات الأخرى، المفيدة منها والرافدة لها، لكن دون الانبهار والانسحاق ودعاوى القطيعة، ما يؤدي إلى الذوبان وضياع الهوية بمكوناتها المختلفة.

إن ما هو قائم اليوم في بلادنا وفي عمقنا العربي ليؤكد بأننا نعيش في عصر صراع الحضارات ومحاولة طمس الهوية، وصولاً إلى هيمنة حضارة واحدة تفرض مفاهيمها ومعاييرها وأخلاقها وثقافتها على العالم كله.

لقد سقطت بغداد، ولا يختلف اثنان على قراءة دلالات هذا السقوط، إن حضارة بأكملها قد سقطت في يد من يحاولون فرض حضارتهم وثقافتهم الاستهلاكية اللا أخلاقية علينا، ويحاولون تذويب هويتنا الثقافية، من خلال بث ثقافة النسيان المتمثلة في الجنس والشذوذ وقيم المال المزيفة والرامبوية التي تحركها العقد المختلفة، حتى نصبح مثل بعض الأمم والشعوب في أفريقيا وأميركا اللاتينية التي أفقدها الاستعمار خصوصيتها ومحق هويتها الثقافية.

إنه الخطر الذي يتهددنا “ومهمة الشاعر بالذات أن يوصل هذا الإحساس إلى وعي الأمة، وأن لا تتحول قصائده إلى مفردات قاموسية مجردة عن أي معنى أو إلى معانٍ مطلقة تسعى إلى تخدير الوعي وإماتة الحواس بدلاً من إيقاظها، وفي مرحلة الهوان والانحطاط كالمرحلة التي نعيشها الآن لابد أن يتخلى الشاعر عن الوقوف في دائرة الأحلام الذاتية، وقبل أن يحاول التحرر من القوالب الميتة، أو التي يراها كذلك، عليه أن يتجنب الوقوع فيما هو أخطر من هذه القوالب كالشكلية وتزييف الواقع” (د. عبد العزيز المقالح، مقدمة ديوان أمل دنقل، ص 33).

كان لابد من هذه المقدمة قبل الدخول إلى كون الشاعر أمل دنقل، الشاعر الصعلوك، أمير شعراء الرفض، الذي عانى بسبب مواقفه الوطنية والقومية من الجوع والفقر والمطاردة، والذي تجاهلته المؤسسة الثقافية الرسمية، شأنه في ذلك شأن كل المتمسكين بمبادئهم، غير المساومين عليها، غير المهادنين للسلطة ورقبائها من أشباه المثقفين، ومن المفتين الذين يعملون بنظام القطعة.

لقد بقي الشاعر الراحل أمل دنقل على تناقض مع السلطة، وهو بهذا التناقض كان يؤكد مقولة: إن الشاعر الحقيقي لا يمكن أن يلتقي مع السلطة وما تمثله ومن يمثلها.

كان أمل دنقل شاعراً ثورياً منتمياً إلى وطنه وإلى عمقه العربي بمكوناته الحضارية والثقافية، كيف لا وهو الشاعر العربي الوحيد الذي وظف هذا التراث توظيفاً نسيجياً في شعره، ولم يكتفِ به، بل انفتح على التراث الإنساني يبحث في فضاءاته عن معانٍ ودلالات جديدة لقصيدته. لقد انحاز إلى المواطن المقهور المكمم، المغيب، وتبناه في شعره؛ لأنه أدرك أن السلطة لا تدافع عن مواطنيها، وأن الشعارات التي ترفعها محض كذب وخداع، وأن الأسلحة التي نراها في الاستعراضات، ويفرح بسطاء الناس بها متوهمين أنها من أجل الدفاع عن وطنهم وعنهم، هي في الواقع لقمعهم وقتلهم:

قلت لكم مراراً

إن الطوابير التي تمر..

في استعراض عيد الفطر والجلاء

(فتهتف النساء في النوافذ انبهارا)

لا تصنع انتصارا

إن المدافع التي تصطف على الحدود، في الصحارى

لا تطلق النيران.. إلا حين تستدير للوراء

إن الرصاصة التي ندفع فيها.. ثمن الكسرة والدواء:

لا تقتل الأعداء

لكنها تقتلنا.. إذا رفعنا صوتنا جهاراً

تقتلنا، وتقتل الصغارا !

(قصيدة: تعليق علىما حدث، ديوان أمل دنقل ص210).

إن أمل دنقل الذي لم يكن يملك ثمن قوت يومه، والذي كان يتبادل نفس القميص مع زميله، هو نفسه أمل دنقل الذي كان يملك الوعي العميق، والقدرة الخارقة على قراءة وتحليل الواقع، والتنبؤ من خلال هذه القراءة بما سوف يكون، وانطلاقاً من النبوءة تلك كان تحذيره لقومه الذين لم يعيروه اهتماماً ولم يصدقوا نبوءته، ولم يكتفوا بذلك بل اتهموه بالتجديف ورموه بالكفر، ولكن متى صدّق القوم أنبياءهم ؟

لقد صرخ الشاعر معبراً عن ضمير الأمة الجمعي بكل ما أوتي من كلمات.. ولكن ماذا تفيد الكلمات البائسة إن لم تجد آذاناً صاغية ؟ ومتى كانت السلطة الطاغية تأخذ بكلمة  الشعوب ورأيها ؟

إن الحكام يظلون على علوهم، يعمهون في طغيانهم إلى أن يدق رؤوسهم الخطر وعندئذ يلتمسون النجاة والفرار، تاركين الشعوب للموت والحطام والدمار:

أيتها العرافة المقدسة..

ماذا تفيد الكلمات البائسة؟

قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ..

فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء بالبوارْ

قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار..

فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار !

وحين فوجئوا بحد السيف: قايضوا بنا..

والتمسوا النجاة والفرار !

ونحن جرحى القلبِ،

جرحى الروح والفم

لم يبقَ إلا الموتُ

والحطام والدمارْ

(قصيدة البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، الديوان ص125).

هذا ما كان من حال زرقاء اليمامة مع قومها، التي رأت بعينيها الحادتين الغزاة وحذرت قومها، لكنهم اتخذوا كلامها هزوا، حتى باغتهم الغزاة وفرقوهم أيدي سبأ. وهي ذات الحال التي كانت للشاعر مع قومه، وكلنا يعرف ماذا حدث في حزيران عام 1967وهو زمن كتابة القصيدة.

وبالرغم من ثبوت رؤية زرقاء اليمامة، وتحقق نبوءة الشاعر، إلا أن القوم أعادوا سيرتهم الأولى، وظلت الزرقاء وحيدة عمياء، وظل الشاعر وحيداً منبوذاً:

ها أنتِ يا زرقاءْ

وحيدة.. عمياءْ !

وما تزال أغنيات الحب.. والأضواءْ

والعربات الفارهات.. والأزياءْ !

فأين أخفي وجهيَ المشوها

(قصيدة البكاء بين…الديوان ص126).

لقد قرأ الشاعر أمل دنقل التداعيات السياسية وغير السياسية، التي أعقبت حرب أكتوبر سنة 1973م، قراءة عميقة واعية، واستشعر، بل تنبأ بالكارثة التي ستقع، والتي تمثلت في زيارة الرئيس السادات إلى القدس في عام 1977م، وكان قد أنهى كتابة قصيدته / النبوءة (لا تصالح) في تشرين الثاني 1976م، وهي من قصائد القناع، وقد استلهمها الشاعر من سيرة الزير سالم، وبالتحديد من حادثة مقتل أخيه كليب (الذي نصب نفسه ملكاً) على يد جساس الذي كان معارضاً للملك الظالم المستبد (كليب) ورافضاً لملكه المفروض بالقوة على سائر العرب.

والقصيدة مبنية على فكرة (رفض الصلح) وذلك بناءً على وصايا كليب العشر لأخيه المهلهل، التي كتبها بدمه على بلاطة وهو يحتضر، ما أدى إلى حرب البسوس الشهيرة التي كان شرط توقفها مستحيلاً، إذ تمثل في قول المهلهل:

فإنّا لا نصالح في كليب… إلا أن نراه علا الحصانا

وفي قول اليمامة:

أنا لا أصالح حتى يعيش أبونا… ونراه راكباً يريد لقاكم

“وواضح أن الموقف الذي استغرق اهتمام الشاعر، وحرص على تفصيله وشحنه بالعناصر الفكرية والشعورية، هو وصية كليب لأخيه المهلهل، وهي وصية أراد الشاعر أن تعكس رؤيته المعاصرة لطبيعة الصلح مع إسرائيل، وهذا ما لم يختلف فيه أحد، بل كان أمل يعلنه في كل مجالسه، ويرى أن الأرض العربية السليبة لن تعود إلى الحياة إلا بالدم.. والدم وحده”. (التراث الإنساني في شعر أمل دنقل، د. جابر قميحة ص139).

يقول أمل دنقل:

لا تصالح !

ولو منحوك الذهب

أتُرى حين أفقأ عينيك،

ثم أثبت جوهرتين مكانهما..

هل ترى..؟

(قصيدة لا تصالح ، الديوان ص324(.

ويحذر الشاعر من القوى الدولية المتواطئة الوسيطة غير النزيهة، والتي نشطت بعد حرب أكتوبر المجيدة (وبصرف النظر عما قيل بشأن تلك الحرب، وحول ما إذا كانت حرب تحرير أم حرب تحريك باتجاه الصلح مع إسرائيل) فإن تلك القوى تحركت عندما شعرت بأن المشروع القومي العربي قد حقق اختراقاً مهماً وبدأ في التشكل والتبلور نحو التحرر والتحرير، فأخذت في نشر المبادرات والتلويح بشتى أنواع الضغوطات والعزف على أوتار السلام والتنمية والرخاء الاقتصادي الذي سيعم على البلاد العربية في عهد السلام:

لا تصالح

ولو قيل ما قيل من كلمات السلام

كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنس؟

…………..

…………..

كيف تحلم أو تتغنى بمستقبل لغلام

وهو يكبر بين يديك بقلب منكس؟

لا تصالح

ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام.

(قصيدة لا تصالح، الديوان، ص330).

والحال اليوم، هي أن الأنظمة لا تكتفي باقتسام الطعام مع من يقتلوننا، بل تقتسم معهم الرصاص وخبرات التعذيب وكمامات الأفواه وصمغ الآذان.. والكلاب البوليسية.

إن السلام قيمة أخلاقية كبرى، بها يستقيم العالم ويكتمل الإنسان، وهي المحور الرئيس في جميع الديانات والمعتقدات الرسالية وغير الرسالية، والإنسان السوي يسعى دوماً بفطرته إلى العيش في أمن وسلام، ولكن هناك أناساً قد خرجوا من شقوق الخرافات، لا يؤمنون بالسلام بين البشر، بل يرون فيه خطراً يهدد وجودهم.. هؤلاء اللصوص الذين سرقوا الأرض من أصحابها بالتذبيح والتهجير لا ينفع معهم صلح هم في الأساس لا يسعون إليه:

لا تصالح

فما الصلح إلا معاهدة بين ندين

(في شرف القلب)

لا تُنتقص

والذي اغتالني محض لص

سرق الأرض من بين عينيّ

والصمت يطلق ضحكته الساخرة!

(لا تصالح، الديوان، ص335).

نعم، إنه صمت الغرب الاستعماري المشارك المبارك الذي أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، وصمت الممالك والمشيخات التي قاتلت بالشعر الرديء والأسلحة الفاسدة:

هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم

وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ

(لا تصالح، الديوان، ص336).

كان الشاعر أمل دنقل مؤمناً بالمستقبل وبالأجيال القادمة، على الرغم من تسليمه برداءة الراهن، وبعقم السلطة السياسية، وبتغول الغرب الاستعماري المتحالف مع تلك السلطة ليشكلا معاً الجدار القاسي الذي يحول دون شروق الشمس على حلم الشعوب المقهورة، التي ستظل تنقر في الجدار حتى تثقبه ويمر النور، إن لم يكن لها، فللأجيال القادمة:

آه ما أقسى الجدار

عندما ينهض في وجه الشروق

ربما ننفق كل العمر كي نثقب ثغرة

ليمر النور للأجيال.. مرة

………

………

ربما لو لم يكن هذا الجدار:

ما عرفنا قيمة الضوء الطليق !!

(قصيدة حكاية المدينة الفضية، الديوان، ص238).

نعم، لقد استطاع أمل دنقل برغم عمره القصير (1940-1983) أن يثقب أكثر من ثغرة، ويمرر لنا منها نبوءته الشعرية.. ورسالة الشعر الخالدة. لقد وصلت الرسالة وتحققت النبوءة، وها نحن نبكي بين يديه مؤمنين مواصلين.

………..

* شاعر وناقد من فلسطين.

شاهد أيضاً

أمل نصر

روعة أن تكون مجنونا .. أمل نصر(2-2)

  يمارس جاروست لعبة ممتعة في تفسيره التصويري للكلمة، وترجمته الخاصة للرموز ودمجه للمخلوقات، هي …

اترك رد