بولاق أبو العلا.. رواية المبدع الكبير فتحي سليمان (6 – 6)

فتحي سليمان

مبيض النحاس والرقص فوق الرماد داخل الطشوت الكالحة.. الديسكو الشعبي لحي بولاق.. وخصوصا لما يكون عمك “ميلاد” بيلمع الطشت علي أنغام محمد رشدي وهو بيقول: ماتبطل تمشي بحنيه.. لا يقوم زلزال..
واحنا راجعين من المدرسة نفضل نصقف ونغني مع عمنا “ميلاد” ونلف وسطنا زي ما بيعمل.. لحد ما ترمي علينا “أم ماتيلده” حلة مية مش نضيفة.مع إنها من الستات اللي عمرها ما رمت مية استحمام زي بقية نسوان الحي اللاتي يتباهين بليلة الخميس والأعياد المباركة عليهن.
ربنا يقدس روحه كان أول من تنبه لحلل الألومنيا وقلب المحل أدوات منزلية وبطـّل اللف والدوران.

يوم ماتش الأهلي والزمالك يوم غير عادي في بولاق أبو العلا.. مجانين الكورة علي قهوة خزان أسوان وقهوة أنس الوجود عاملين معسكر ورهانات وحمار لابس فانلة الفريق المنافس.. وكل شوطة من رجل زيزو ترج الحي بأكمله، ولما ثابت البطل يصد كورة حلوة يفكر العواجيز بعادل هيكل.. ولما يغير ثابت مع إكرامي حارس المرمي الجديد تسمع ييييييه.. يا عم ده لسه عيل صغير حيعمل ايه ده مع فاروق جعفر ولاّ طه بصري.

يتناوب الأهلي مع الزمالك بطولة الدوري والكأس.. ومرة كل عشر سنوات ينط الترسانة وياخد بطولة وتسمع أسماء مثل الشاذلي، مصطفي رياض، وحسن علي بلباسه الكروي علي رأي كابتن علي زيوار.. لحد ما ظهر فريق المحلة الفلاحين.. عماشة وعبد الدايم والبحطيطي، وساعات يطل ويسبق الكل فريق الاتحاد السكندري ويظهر “بوبو” المدفعجي، ولاّ الأولمبي بنجومه “أوكا وأكما وسعد عطية واللّي”.. وبعد كل ماتش تخرج المسيرات الفرحانة بالفوز وتبدأ رحلة الأهلاوية من أمام دكان الحاج “عبد الشافي” في شارع فؤاد، مرورًا بحواري بولاق، وتنتهي عند شارع ساحل الغلال لتقف تحت بيت عائلة عبد العزيز عبد الشافي.. لترمي لهم الحاجة الوالدة بحبات الطوفي وثمار الاستفندي.

لكن في الموالد يا شعب يا خالد بنتلم صحبة ونهتف.. يا عيش
تماماً زي ما قال عمنا فؤاد نجم.. ورا المنتخب المصري تدوب كل الفرق والفروق.. ويصبح حسن شحاتة جنب الخطيب، وعلي خليل يبدل مع أسامة خليل، وعادل المأمور محل شوبير. لكن يظل اللي في القلب في القلب.. ومع أول لقاء قمة نرجع تاني ونلبس الحمار فانلة الفريق المنافس.

الواد الغلس حسين البكري كان يصر علي غناء أغنية “وقفت ذبابة على زجاجة” بصوته الوحش حتي لو رفضنا.. ولما خلص دبلون التجارة وسافر السعودية يشتغل مع خاله المزين.. رجع وهو لابس جلابية بتاعت حد أصغر منه.. ومركب دقن من غير شنب.. وبعد السلام والسؤال عن الأحوال رجع يسمعنا تاني حكاية الذبابة! المرة دي غيّر شوية من أحداثها.. قال إيه جناح الذبابة لو وقع في كوباية الشاي تقوم انت تغطس الجناح التاني وتشرب عادي جداً! لأن الشمال فيه دوا اليمين… ياللا يابن المحروقة هما قالولك هناك إن النبي عليه الصلاة والسلام كان فاضي للكلام الفارغ ده.. وقام الشيخ ” طه” يجري وراه والمركوب في إيده.

الله يرحمك يا شيخ طه.. مايسكتش علي كلام مايع.. أزهري وسطي أحببنا من شخصيته صحيح الدين والتديُن.. لا أنسى يوم حصار بولاق للقبض علي بائعي المخدرات وهو يقول للضابط: أنا أيضا أحارب المخدرات يا حضرة المحترم.. أحاربهم من داخل الكراريس وحروف الأبجدية، وقواتي محاصرين التجار من داخل العقول.. أنا خط الدفاع الأول.

عندما قرر سيف عبد السلام، أخو المعلم “أمل”، الترشح لمجلس الشعب نائباً عن دائرة بولاق.. ومع إنه ظابط! وقف الجميع مع المرشح الآخر قباري عبد الله، وبدأ الجميع ورشة عمل للبحث والتنقيب عن شائبة تطول هذا المرشح الكارثي.. وإذا بالشيخ الجليل يجد الأمل في سيادة اللواء المشالي الذي وضع بين يدي الشيخ “طه” تقريرًا يدين سيف عبد السلام، وبذلك أنهي مشواره القصير في عالم السياسة وخدمة الوطن.

راح سيف عبد السلام وجاء قباري عبد الله، أو دكتور جمال العطيفي، وغيرهم.. ولم يتغير الحي وظل كما هو.. حي بلا أصوات في كشوف الناخبين.. هو حي أبكم وعشوائي.. جسد مصاب بالجـــزام تقع منه كل فترة قطعة ويخشى الجميع  الاقتراب منه خوفًا من العدوى.

علاقتنا بمبني التلفزيون كانت شائكة.. مصر كلها تشاهده والبولاقية يشعرون أنه يراقبهم من عليين. أحجار الطوب والأسمنت التي ظلت تعلو وتعلو حتي قاربت السماء أخفت عن شارعنا منظر النيل، بل وفي حركة مباغتة سدت شوارعنا المتجهة إلى الكورنيش.. عيونه ترى وتراقب كل أسطح منازلنا. كنا نكنس ونرش بالماء أصص الريحان وننشر ملابسنا الداخلية، ويسهر الرجال بحكاياتهم ونكاتهم الفاحشة. كيف يغلق من فتح نافذة علي العالم أمام عينينا شوارعنا وحاراتنا التي لا تعرف النوم. كيف سبى نساءنا وأجلسهن علي الكنبات يتعاطين حبات الفول السوداني كقرود بمؤخرات كبيرة. كيف ألقى بتعاليمه العشرة للفتيات: ماذا يرتدين وكيف يتكلمن ويمشين وتسريحة شعر سلوى حجازي وشياكة سهير الأتربي. وأي ساق تعتلي الأخرى مثل ليلي رستم.. ورجالنا كيف اعتقلهم مشدودة أعناقهم نحو قمره المخسوف. في البداية كان حلمًا وسحرًا في مولد شيخ عظيم.

في ساعاته الأولى القليلة عطّـّــل الحياة، وعندما استأجر بقية اليوم ارتدت النساء نظارات طبية لاستقباله، وقفز باعة السجائر والألبسة القطنية بنداءاتهم الصارخة إلى صالات منازلنا، معلنين عن بضائعم وهم يسطون علي أغانينا الوطنية مفككين أوصالها لمآربهم الخاصة.

لكن انتقال عم “منير” للعمل كريجيسير في قطاع الإنتاج شكل نقلة نوعية في شكل النظرة للمبنى.. والبداية كانت مع مسلسل “المعلم عماشة” بطولة الممثل القدير محمد رضا ونبيلة السيد وصفاء أبو السعود وعبد السلام محمد…

اشتغلنا مجاميع في المسلسل.. كومبارس يعني.. صامتين.. السينما كلها نطقت إلا احنا.. نمشي قدام المعلم ونروح ونيجي كأننا بنعمل مشاوير ونتجمع ساعة الخناقات بـ 70 قرش ووصلوا لجنيه وربع قبل ما المعلم يقرر يعمل عماشة في الأدغال ويسافر أفريقيا يصطاد أسود.. وأتاريه كان بيصطاد صهاينة رايحين يسرقوا بترولنا من سيناء.. لما كبرنا وعرفنا موضوع عملية أبيدجان زاد احترامي قوي للمعلم عماشة، ورجالة المخابرات المصرية.

في برامج الأطفال الصباحية كانوا يأتون بأولاد وبنات يرتدون ملابس دائما جديدة، ويبدو عليهم أنهم أخذوا قسطا كبيرا من النوم.. تسألهم المذيعة وتجيب بالنيابة عنهم وهم يبتسمون ابتسامة تؤكد استعمالهم لفرشة ومعجون الأسنان.. وكان عم “منير” يقول: نستعين بهم نظراً لانشغالكم في المدرسة.. نحن يهمنا مستقبلكم يا ولاد.. اتجدعنوا وخلّوا بالكم من المذاكرة.. ولما حيكون فيه أورد ر حشيعلكم.

شكلت القروش مصدر دخل جديدًا لأولاد الحي.. وزادت محبتهم للمبنى وسكانه، وفرحوا أكثر عندما قررت إدارته بالتعاون مع وزارة الإرشاد استخدام جدران الطوب الأحمر التي سدت الشوارع كشاشة عرض لأفلام تحكي قصة كفاح مصطفى كامل وسعد زغلول وإبداع سيد درويش وقصة بناء السد العالي ونقل معبد أبو سمبل.

في مقدمة المشهد نجلس نحن الصغار علي حصير المسجد القديم، ومن خلفنا يأتي الأكبر سنا، وعلي الجانبين تجلس أمهاتنا، كل منهن على كرسي حمام بيتها، أو يستأجر لها زوجها كرسيًا. حول ماكينة العرض يجلس رجال الاتحاد الاشتراكي موزعين ابتساماتهم المجانية علي رجال الحي.

لو لم أكن مصريًا لوددت أن أكون مصريا.. ويضج الشارع بالتصفيق. ويهتف عم علي خنّاق القطط: سعد سعد.. يحيا سعد.

صراخ وصويت وصوت شبشب بينزل علي رأس وجتة واحد من شركة النور.. والمحصل بيصرخ ويقول: إنت كده بتتعدّي علي موظف أثناء تأدية وظيفته.. سيبيي الجاكتة.. إيه العافية اللي فيكي دي! أنا حوديكي في ستين داهية.

والتقطت “إيسا” طوبة من الشارع استقرت في ضهر الموظف العمومي أثناء تأدية وظيفته.. ساعة بالكتير وجاء المخبر محمود الزنكلوني: البيه المأمور…
– عارفه…

حطّت زيتونة خضرا تحت خدّها اليمين وربطت المنديل الأسود على لفة شاش غرقانة ميكركروم.. وقدام باب مكتب المأمور شقّت قبّة الجلابية عن  أرنبين سُمان محبوسين داخل سونتيان رخيص يستاهل الحرق.

المأمور عفق المحصل من قفاه وصرخ فيه: إنت إيه اللي عملته ده يا مفتري.. معندكش اخوات بنات.. والله لولا خوفي عليك تخسر وظيفتك كنت رميتك في الحجز وبلغت المصلحة.. بوس علي رأسها خليها تسامحك.

أبعدته “إيسا” بدفعة قوية كاد أن يرتطم بالحائط المركونة عليه اللوحة، وعلى ضهرها زادت أرقام محاضر التسليم والاستلام وتواريخ لجان الجرد.

– طيب والمصحف الشريف أنا شفت ” إيسا” بتقضي حاجتها وهي واقفة!

– يابني ماينفعش.. دي ست! ما ينفعش.

كنا في أبو السعود بنوزع ندر الفول النابت بتاع خالتك سناء.. وشفتها رايحة ناحية المقابر.. مشيت وراها علشان لو حد اتحمرش بيها ولا أي حاجة.. وفجأة وقفت ورفعت الجلابية السودا وعملتها!

أول راجل عرف الموضوع ده كان أبويا.. لما بكت “إيسا” بين يديه واستعطفته يعرض حالتها علي الخواجة.. قالت له:

– اتولدت كده.. حكمة ربنا.. من جوايا فيه قلب ست بيهفهف لكلمة حلوة من راجل. لكن من كتر خوفي .بقتل أي مشاعر ناحية الرجالة.. خايفة اكسر قلب حد يحبني.. قرطت شعري جوة المنديل الاسود وحبست جسمي جوة السواد ده. عمري مازجزجت حواجبي ولا خرمت وداني لحلق. هربت وأنا بنت 14 سنة عند عمتي “زينات” جارة عم “سليمان”.. مصر هيصة ومحدش يعرف حد.. سلو بلدنا البنات بيتجوزا علي 15.. مكنتش اقدر استني أكتر من كده.

أنا نسيت نفسي مع محصل النور.. صوابعه فتحت كل مســامي.. كنت بتنفض مع كل نفس منه. حطيت وشي في الحيطة وسبته يعمل كل ما بداله.. كنت عايزاه يعدي على كل شبر في جسمي.. يفكرني إني ست.. ست. ولما قرب من بين رجليا مقدرتش أشيل كفوفي من فوق فضيحتي.. شوف لي حل يا خواجة.. أنا داخله على العشرين.

رضوخا لتعليمات الموظف الكبير صاحب الكرش الكبير، حاول العمال نقل الضريح الذي اعترض أساسات مبنى وزراة الخارجية.. وقف الضريح شامخا بعد هدم بقية البيوت المحيطة بسيدي موفق، واسطبل الخيول، ومخزن العربيات الملكية.. بأحجار قدت من جبل المقطم واستخدم “القصومل” في تثبيتها في زمن كانوا يأخذون الرماد المتبقي بعد حرق الزبالة التي تستخدم في تسخين مياه الحمامات الشعبية وعليها تنضج وتدمس قدور الفول. ذاك الرماد يمزج مع الجير والرمل والماء ليكون أسمنتاً حديدياً. منظومة تثبت إن آكلي الفول من أحسن العقول.

أشاروا على الموظف الكبير أن يستعين بخبرة الشيخ الجليل طه الأزهري  ابن بلدة ” توماس وعافية”.. الونش يأبى التحرك بالضريح، والتحدي لم يكن في صالح الحديد، وقبل الشيخ التدخل وأذعن المسئول لنصيحة الشيخ طه.
ونمّت زهرة اللوتس تطل على النيل العظيم من جهة ومركونة على كتف الحي الشعبي منبع الوطنية من ناحية شارع 26 يوليو. مبنى عملاق يضاف لقائمة الذين ينظرون علينا من فوق.. فوق قوي.. وأول وزارة تستضيف ضريح شيخ أطلقنا عليه نحن عفاريت الحي الشيخ السفير.

“رجعها مكان مالقيتها…”.

الله يجازيكي بالخير يا أمي.. خد حقّك ودع ما لا يخصك لأصحابه.

نصيحة ذهبية ظلت كالحلق في ودني. أرسلتني في نهار رمضان  بطبق كنافة لبيت جدتي.. وحين عبرت الشارع كان تاكسي أنزل راكبًا وانطلق.. وعييت حتي لحقت بالشاب الذي كان يهرول متجها ناحية وابور الطحين.. يا أستاذ محفظتك دي؟ مر بأصابعه علي الجنيهات الحمراء وكارنيه النقابة.. وعدت أحمل أول ورقة بخمسة قروش صدرت بمقتضى القانون رقم 50 لسنة 1940 وتعترف جمهورية مصر العربية بأن حاملها المواطن فتحي سليمان يستطيع شراء كل ما يحلو له من حلاوة طحينية وفوندام مخلوط بالحمص المطحون من عند عم “قشطة” ومجلات ميكي وسوبرمان والرجل الوطواط وقالب شيكولاتة كورونا وحاجات مليانة بالفيتامين.

معايا ربع ريال.. معايا ربع ريال.. ده مبلغ عال.. ومش بطّال..
تم ترالم لم تم تم.. ونسيت يومها التعريفة التي أرغمتني أمي على إرجاعها  فوق كوم التراب.

“الله يخلق القـرى والإنسان يصنع المـُدُن.. قول مأثور عن فلاحين أوروبا.

تجتمع نساء الحي حول “ضاربة الودع” لتقرأ لهن الطالع: .سكة سفر وعمر طويل.. ونور وكهارب وهدمة جديدة.. ولكبار السن دايماً شايفه في كفوف ايديهم حتة قماش بيضا وحمامة بتدور حوالين مكان.. مش واضح في البن ده…

المرة القادمة نامي يا ست الحاجة علي جنبك اليمين واشتري بن مش محوّج.. ما تصلوا علي النبي العدنان، واللي نفسها في خلفة قدامها أسبوعين وتيجي البشارة.. والعرسان باينين في عيون البنات.. والحاجة الضائعة حتتلاقى بهاتف مع أدان الفجر.. عالم تاني من السحر والخيال.

تاني يوم يعدي “فرج” الراجل اللي بتخرج له الأمهات وعلي كتفها عيل محموم ولاّ بطنه بتوجعه.. ويفضل عمنا “فرج” يعزم بالكلمات التامات ويأمر بإحضار كوب نصه مليان ميّه، ويمد إيديه علي مناخير الطفل ويملس على رأسه، وفجأة تنزل ديدان صغيرة من بين كفوف  فرج.. تتخض الأمهات، بينما فرج يرج كوباية الميّه، ويزغر في العيل ويقول له تشرب الميّه ولاّ تاكل الدود ده!

مرت سنين كتير لغاية ماعرفنا إن “فرج” الممرض كان أبو عيال الست ضاربة الودع.. لما حملة مكافحة التسول التي أصدر الريس جمال قرارًا بإنشائها.. ألقت القبض عليها وراح سي فرج يحوم حوالين معسكر ضاحية الخصوص لاحتجاز الشحاتين.. يومها عرض علي عمال البوابة مبلغ 20 جنيه لتهريب الست زوجته المصونة، فقبضوا عليه ودخلوه يآنس ويشرف مع أبو رجل مقطوعة اللي مسكوه بعد ما قطع نفس العساكر من الجري، والأخرس اللي سب لهم ميت ملة، واللي شايلة عيل لسه مولود وعمالة تقرص فيه علشان يعيط. وحكالهم عن الشربة وكُم الجاكت وكيس الدود.

عندما أشرت علي “مهدي” العجلاتي بأن يخصم من مستأجري العجل ثمن الوقت الذي تأخروه في المرة السابقة.. توقف عن أخذ الكوتشات الباتا ولا الصنادل من العيال كرهن. وأصبح السؤال الوجودي “الساعة كام من فضلك” حافزاّ اجتماعيا للحصول علي ساعة “جوفيال” كهدية النجاح أو هدف سامي لعمل جمعية بين الأمهات من عشرة أسماء كلهن تصر على قبضها الأول.

لكن ولاد الجنية عيال الحتة تغلبوا علي هذه الافتكاسة باستدعاء أقاربهم من العدوية الوسطانية وعلوة الحجاج.. وأصبح التأخير وتخريب العجل عقبة في طريق تحول “مهدي” إلى أبو جوخ جديد.. وعلى مستقبلي كمفكر اقتصادي.

***

– إن ديت للدد الراجل الدد.. دلال حسين.. دلال حسين.. دلال حسين وحبيبكم مين.. دلال حسين.. حتنتخبوا مين؟.. دلال حسين.

وتتعلق الصور بالبالوظة علي حيطان البيوت.. وتنتصب الأصونة القماشية والكراسي ويطلع راجل بجلابية صوف العسكري ويمسك الكريستة وصبيانه بيشاوروا للناس تسكت شوية.. الحاج عايز يقول لكم كلمتين:

– اخواني أبناء الدايرة.. خادم القوم سيدهم وأنا خدامكم وانتم أسيادي وتاج راسي.. أنا عارف ان أصوات الحي ماتتعداش الـ120 صوت.. لكن هل ده يمنعني من خدمتكم.. لألألألأ خدمتكم شرف و..و… ويطير كرسي في الكلوب.. ويدخل رجالة المرشح المنافس شايلين الشوم والنبابيت  وتطير قزايز الكاكولا من أسطح البيوت.. عشرين مصاب وكسر في الجمجمة وعملية تربنة وعين متصفية.. وكلمة مانعرفش يا باشا مين اللي بدأ العركة.

تسللت بين الجلاليب وشفت حضرة المأمور وهو بيطيب خاطر الحاج جلال حسين، ويؤكد له أنه سيأمر رجالته بإعادة لزق صوره على الحيطان.. وخلفه كانت اللوحة ما تزال تحمل رقمًا تلو الآخر تسليم واستلام ومحضر رقم 1223/11 ودوائر في حجم كوبايات الشاي وبقع زيت طعمية قديم.

– منده بكرة.. بقرشين.. عند الحج سيد.. بقرشين…

ويمشي العجل مش فاهم الزفة دي علي إيه.. وحواليه العيال لابسين البيجامات الجديدة بتصرخ وتقول: بقرشين.. ويلفوا شوارع وحارات الحي.. من عند فرشة المعلم “حنفي مزروع” بجوار سينما علي بابا مرورًا بجراج أبو رجيلة وأبو شبانة الكبابجي، ويدخلوا الشيخ علي لحد مصنع الربسوس، ويعدوا قدام مكوجي الرجل اللي يبخ ميّه على وش العجل ويقول له: سلامتك من الخضة يا صغير.

في الميدان يكون المعلم “حنفي” محضّر عازف المزمار ومعاه الطبلجي بيسخنوا لحد ما يظهر العريس.. وتتشمّر أكمام الجلاليب وتتطوح اللاسة لحد قاعد في الدايرة وهاتك رقص وتحطيب.. ومع كل ضربة شومة سليمة يصرخ المزمار متوجعًا ثم يعاود يضحك في وش الطرف الكسبان.

“مشهد الغريقة”

– البنت طالبة الدفن يا عمران.. حرام عليك.. أسترها ربنا يسترك.
– إمشي يا ولية.. أنا ماخلفتش بنات.. أنا ماجيتش مصر من أساسه.
وغادر عمران الحي حاملا كل ما يملك علي عربية كارو.. دافنا دموعه بين بؤجة الملابس التي حضنها يحتمي بها من نظرات النهر الذي ظل يسأله لماذا قتل ” نحمده.. وفي القطار أعطي ظهره للقاهرة ودفس ولديه الصغيرين بين إبطيه.. وبكى: سامحيني يا بنتي.. معرفتش اختار ليكي أم تحميكي في غيابي.. ملعونة يا لقمة العيش.. ملعونة يا غربة.. يا مراري.. يامراري.. ليه يا بحر تجيبها تاني قدامي.

وعندما اعتلت الشمس ظهر النهار.. قامت “محاسن” من نصف موتتها تتخبط.. تبحث عن شربة ماء تبلل بها جوفها البور.. سحبت هيكلها العظمي وراحت تنادي على “نحمده”: يا علي.. يا أحمد.. أخدهم الصعيدي وهرب.. أخدهم الصعيدي وهرب.. كان لازم أصرخ واقول دي بنتي.. كان لازم أقول لأ يوم ما أخدها على وادي حوف.. كنت عارفة إنه حيقتلها.. حيقتلها.. أنا اللي قتلتها.. قتلتها يوم ما قطعت حشيش علي طبلية الأكل.. يوم ماخبيت الأفيون في صدري.. صدري اللي رضعتها منه سم وعلقم.. مين اللي حيصون عرض ست رخيصة زيي.. البنت كبرت في عيون المعلمين والصبيان.. اتدورت واتصب قالب الحلاوة في عروسة مولد.. والمأذون لما سأل عن كفيلها قالوا غايب من سنين كتير، والغايب مالوش نايب. ملعون يا فقر.. ملعون يا مزاج.

واتقفل المحضر فوق مكتب صاج إيديال على جثة مجهولة قادمة من الجنوب، لفتاة في عمر الـ 17، واستقبلت ثلاجة زينهم رفًا جديدًا.

***

أم هيثم بنت خالة نبوية سألتها وهي بتديها فلوس الجمعية: ألا قوليلي يا ختي.. هو انتوا ليه بتدلقوا ميّة الحموم قدام البيوت في بولاق؟

فانجعست “نبوية”: أسباب وجيهة يا روح خالتك.. أولاً كيد النسا ليلة الخميس وما أدراكي ما ليلة الخميس. وثانياً الصرف الصحي عندنا بالنزحة يا بتاعت الفجالة.. فمش معقول النقلة تكون مية غسيل وحموم. وثالثاً بقى وده الأهم الميّه بتهبط تراب الشوارع.. أصل الأسفلت ماوصلش لسّه عندنا، وبعدين ريحة الصابونة النابلسي بتهيج رجالة الحتة.. أسيبك بقى العوافي.

“انتفاضـــة الحرامية في 1977”

حدث بالظبط كما قال والدي: التلفزيون الليلة سيعرض حاجة جديدة لنج.. لكن مش للدرجة دي! مسرحية “مدرسة المشاغبين” حتة واحدة.. ده إيه الرضا ده!

تسمر الجميع أمام شاشات التلفزيون وانقطع الحس من الشوارع.. ناس بتضحك مع عادل إمام وسعيد صالح، وناس بتخبط كف على كف.. محلاتهم اتسرقت وعربياتهم اتدشدشت والعوض على الله.

كل ده كوم واللي حصل لـ”نبوية” كوم تاني.. وهي راجعة من درب الجنينة اتثبتت في شارع رمسيس. المظاهرات ولعت الدنيا.. الترامواي اتقلب والطوب نازل يرخ علي قزاز المحلات.. زرقت نبوية في مدخل عمارة إيفرست.. وكل شوية تطلع راسها وتبص علي الممر المؤدي لجورنال الأخبار، وترجع تبص علي شارع رمسيس.. ناس بتجري وحريم بتصوّت وعيال شايلين رزم كشاكيل سارقينهم من الفجالة.. وست رافعة فوق راسها  فردتين كاوتش جداد.. وراجل بجلابية ساحب وراه عجلة صيدلية مش عارف يسوقها.. وقالت نبوية في سرها: تتحرق الجمعيات اللي بالشكل ده!

ده إيه اليوم المدوحس ده؟! سمعت ضرب نار من ناحية محطة مصر.. وأتوبيس دخل في تاكسي.. العمارة هس هس والأسانسير عطلان في السادس، والبواب جري ناحية شارع الجمهورية يلحق له حاجة يسرقها. رجعت لورا وهي خائفة.. خبطت في شخللة زجاج ونحاس وصوت بيصرخ فيها:

– تحاسب.. لا مؤاخذة يا سيدنا الأفندي.

– إنتي منين يا بت؟

– بت اما تبتّك. أنا من بولاق.

– حصل لنا الرعب.. معاكي إيه يا بولاقية؟

– فتشها يا ماهر.

ورفع ماهر قمع الأباجورة اللي كان لابسه فوق راسه.. وبإيده الشمال راح يفتش نبوية.. وفي إيده اليمين سندوتش شاورما ملفوف في ورق  مطعم “زينة” اللي قدام سينما مترو.

الواد ماهر إيده تتلف في حرير.. نحت جسم نبوية حتة حتة.. تفتيش دقيق خلىّ العجين يخمر. أعطاها نصف السندوتش وراح يستكمل عملية التفتيش.

كانت المظاهرات تصرخ:

– أحيه أحيه أحيه.. كيلو اللحمة بقى بجنيه

والأباجورة في إيد ماهر راحت تشخلل من جديد.. قطمة سندوتش وبالراحة يا ماهر.

تبادلت الأيدي مقبض الأباجورة ونبوية متبتة علي الدِكّه والـ2 جنيه بتوع الجمعية.. وكل اللي على لسانها: ماهر.. بالراحة يا ماهر.. يادي النيلة.. صاحبك اتظاهر على نفسه.

سعيد صالح وعادل إمام قطعوا ملابس الأستاذة سهير البابلي جرياً وراء الدبور.. ونبوية بصوت عال ههه  هه هههههه دبّور مين يابو دبور.. دي حجة يامه علشان يفتشوها.

إلا قوليلي يا مه.. هي الأباجورة على العروسة ولا العريس؟

“شي الله يا سلطان”

اتفرقت المظاهرة عند كوبري أبو العلا.. وعساكر حراسة سفارات الزمالك رجعوا الشباب لمقام سيدي أبو العلا.. تجمعوا مرة أخرى عند المعهد الأزهري.

هو بيلبس على الموضه.. واحنا نايمين عشرة في أوضه

الشيخ “طه” اقترح عليهم يصلوا العصر ومن ثم يعاودون التظاهر.. دخلوا الجامع في الوقت الذي كان فيه “إسماعيل أبو هواية” بيرفع حبله من فتحة صندوق النذور.

يابن الحرام.. بتسرق مال الغلابة.. وإيه دي بقي؟ ورقة مدهونة صمغ وتقالة زلطة صغيرة مربوطة في حبل.. انت مش خايف سيدنا السلطان يسخطك قرد؟

وقلمين تلاتة وإسماعيل أكل الهوا.. وفين يوجعك.. ومين يمنعك. ومن القسم خرج إسماعيل معزز مكرم.. واترحل الشيخ طه على المعتقل بتهمة الانضمام لتنظيم شيوعي، والتسبب في إحداث فوضي وشغب، والإخلال بالأمن العام.

وخلف المأمور كانت اللوحة فاضت بحمل أرقام المحاضر واستقبل وجهها الملون رقما جديدا وإمضاء رئيس لجنة الجرد السنوي.

وعاد إسماعيل أبو هوّاية يردد علي المقهي: لا تعطيني سمكة.. بل اعطيني صنارة لصيد السمك. شي الله يا سلطان يا بو الكرم.

ليلة القبض علي البابا “شنودة” تفلت سيدة علي وجه اللواء المكلف بتنفيذ الأمر. وصبّت اللعنات علي الآمر والمأمور.. اصطحبوا البابا في سيارة الكنيسة وتوعدها اللواء بالعقاب.

اتخذ “إمام” قرارا جريئاً.. طلب من جموع الشعب ان يعينوه عليه.. قرر الاقتران بنبوية وإنهاء حالة الخصومة مع العزوبية المقدسة والانتقال إلى بيت “علما” ليعتلي غيط الفجل والجرجير القابع تحت سرير الزوجية.
وأصبح لدينا جارة جديدة لا تشبه كل سيدات الحي.. ملابسها نضيفة وتاييراتها محاكة من قبل أسماء مشهورة.. وأحذيتها لم تطأ تراب شوارعنا.. بيدها مسبحة تحبو حباتها فوق أطراف أصابعها.. وشفاه ترتل همسا طيبا. تبدو البسمة في عينيها قبل وجنتيها.. تصبح وتمسي علي أمي وخالتي أم سعدية وتمنحني الجرائد اليومية عقب الانتهاء من قراءتها.

نسخة من الإنجيل تشاركها الوسادة ونور العدرا أضاف على الحائط المدهون حديثا بهاء، وفاحت رائحة البخور من منزلنا يومي الجمعة والأحد.

“السادات وبدلة الرايخ الثالث”

عندما ارتدي الرئيس السادات زي الاحتفالات للجيش الألماني.. عادت إلى الأذهان حكايته مع هانز جوبلر الذي عرفته مصر باسم حسين جعفر، وقصته مع الراقصة حكمت فهمي، وقضية التخابر مع الألمان، والعثور علي جهاز الإرسال في عوامة الراقصة. ظن الجميع أنها تقليعة من شحطات الرئيس المؤمن كبير العائلة المصرية. اختلطت الأوراق أمام يساريي بولاق.. كيف لرجل يتحدث عن السلام مع الصهاينة وهو منتصر يقبل اتفاقية منزوعة الدسم. يصادق هنري كيسنجر وكرايسكي والدكتور محمود جامع.. ويعادي القذافي ومشايخ الخليج وأبناء سعود، وهو الذي أضاف لأرصدتهم أصفارا عديدة بعد حرب أكتوبر.. يلقي القبض على الاشتراكييين.. الشيوعيين.. الليبراليين.. الإسلاميين والأقباط، ويصنع منهم جبهة موحدة ضده! صنف إيه ده اللي بيضربه؟ ما كلنا بنشرب!

ورد عليه المعلم بسطاوي: ده صنف إكسترا.. يخليك تعض على ضراضيرك منه.. واللي يشوفك يقول لك هايل هتلر من غير فلتر.

ليلاتي تحصل خناقة بين زبائن بوظة الدويني وتختلف دائماً الأسباب.. ملكيين وثوريين.. أهلاوية وزملكاوية بالطبع.. لكن توصل الأمور لعركة بين ناصريين والشيف “أبو عبده” وتسفر الحادثة عن تهديده بالذهاب لحي الزمالك واستدعاء أقاربه.. نط أبو عبده في بركة المياه التي تركتها أمطار الليلة السابقة، وبدأ رحلة المانش.. كان بيعوم بجد.. وتفادي عامود الكوبري كذا مرة.. واستغرب قوي عندما وجد العامود بيرفعه من ياقة القميص ويقول: ماخدتش ليه الكوبري ووفرت علي الست الغلبانة غسيل الهدوم؟!

– هاتوه في البوكس.. دي حتبقى سهرة عجب.Booza after whisky very risky

بوظة أفتر ويسكي.. فيري ريسكي.. يا سلام علي العلام الخواجاتي.. قول كمان يا ابو عبده.. اشجيني.. امضي على المحضر وقوم روح بيتكم.. أنا من بكرة وردية نهار.. مش عايز أجي القسم الاقيك بايت فيه.. وقال وهو يتسند على ضهر الكرسي: مين الحمار اللي شخبط على اللوحة دي.. دي غالية قوي. وأخذ يبرطم أثر إشارة من الضابط واتجه صوب اتجاه الصباع.

– ماتضربش القطط بالليل أحسن تكون روح عيل بيمشي وهو نايم.

اعتقاد راسخ عند كل ستات بولاق جعل قطط الحي تغدو آمنة وتتناسل على مرأى ومسمع الجميع.. بالليل فقط.

استيقظت “لبني” بنت طنط “عفاف” ولسعة ملعقة ساخنة تُعلم علي ذراعها الأبيض.. والبنت على صرخة واحدة.. وزوجة خالها التي جاءت مهاجرة من الإسماعيلية تحلف بأشد الأيمانات أنها لم تكن تقصد عندما أبعدت القطة الشقراء عن صينية السمك.

– يعني ياختي.. انتي مش عارفة ان “لبني” شقرا وبعينين زرق.

أيام الصيف الحارة تجد صينية القلل هي عروس المجالس.. وحبات الليمون بتعوم في الميّه.. وورق النعناع نايم علي شباك القلة.. و”إمام” بفانلته المبلولة بيقول: القلة بتزغرط يا “نبوية” بذمتك فيه تلاجة تعمل الصوت ده؟!

لوح التلج في سربنتينة “علما” مابقاش يكفي تخزين فراخ الجمعية واللحمة المستوردة.. اللي مش حيعمل فلوس أيام السادات مش حيعمل فلوس أبداً.

قالت ذلك وهي تطبطب علي عيل تائه يبكي بُعده عن أمه.. وقدمت للطفل راس جزر أحمر، وعندما أخذ يعضعض في الجزرة رشته بالماء على وجهه فبكى ثانية.. وصارت تتناوب إبكاء الطفل وإرضائه حتى جاء أهله وعيني الصغير مثل الطماطم الحمراء.. تعلم “علما” جيداً أن الطفل الباكي حلاوة العثور عليه أكبر.

ماتقوم يا “إمام” شوف موضوع الشامبو والكمبوت ده.. تجار الشواربي بيشتروا أي حاجة جاية من بورسعيد وبيرزقوا الشبان كويس. دي المدينة الحرة أصبحت حرة قوي.

“كلمتين وبس” جايين من راديو الحاج عبد العال.. وفؤاد المهندس بيتكلم عن القمامة وحكاية قشرة الموز التي تسببت في كسر ضهر الأستاذ اللي ساكن في الدور العلوي. مهموم قوي سي فؤاد بالناس والأخلاق.. لكن “عائلة مرزوق أفندي” مشغولة بمشاكلها والجواز والطلاق.. فيه ناس ماتعرفش حاجة برة بيتها.. وناس بتعتبر مصر كلها بيتها.

علي الرغم من أن رحيل أصحاب الشركة الأجانب أثر على دخل والدي.. واضطر يشتغل بعد الضهر ليسد العجز في ميزانية البيت إلا أنه لم يذكر “جمال” إلا بكل الخير والمحبة.

أصبح 4 شارع زكي ذكرى في حياة والدي.. واتجهت خطواته اليومية إلى شارع جوّاد حسني حيث مقر شركة النيل للأدوية.. باثنتي عشر جنيها شهريا أدار دفة الحياة.. فتأرجحت السفينة وعلى متنها أسرة مكونة من ثلاثة أطفال وزوجة وأم مريضة.. فلجأ لأقاربه في ميدان العتبة وأصبح بائعاً للكاستّات وأجهزة الترانزستور. وعاد يرتدي الجلابية وهي التي لم تكن في قائمة ملابسه.

وظلت ابتسامته وتحيته للجميع بطاقة شخصية تخص سليمان موسى لوحده.. وظل الدكتور مجدي البربري كلما قابل والدي أمام قهوة “أنس الوجود” يقول له: أنا لو قفلت عيادتي حيكون انت السبب يا سليمان.. بتوصف الدواء كأنك طبيب والأجزاخانات شغالة علي روشتّاتك.. فيضحك والدي:
– أنا سايب لك العمليات يا دكتور مجدي.. مش تخصصي.

ويعزمه علي فنجان قهوة.

في الأيام التي تمتليء فيه شقتنا بالسيدات وتوضع حلة الماء على الوابور، وتأتي الحاجة أم فاروق الداية.. أمنّي نفسي بشرب كوبايات الموغات الساخنة في السبوع.. دوشة الوافد الجديد يمحوها طعم حبات الحلبة المطحونة مع السمسم ورائحة السمن البلدي.

كانت شهور السنة الهجرية تتحكم في أسماء الوافدين الجدد.. في شهر الصيام جاء “رمضان” وعندما انتهي الشهر الكريم جانا الـ”عيد” وضيوف آخرين جاءوا ورحلوا سريعاً مفضلين انتظار أمهم علي باب الجنة.. فكرة ولد أو بنت كانت لا تعني والدي من قريب أو بعيد.. فعندما حضرت “عائشة” والتي أطلق عليها اسم أخته الغالية علي قلبه.. يومها قال لأصدقائه علي المقهي: الحمد لله.. ربنا رزق “بهية” أختاً كما كانت تقول أمي.

ثم جاء آخر العنقود. ويومها تذكر والدي أن السنة الهجرية بدأت بهجرة الرسول الكريم “محمد” عليه صلوات الله وسلامه فأشار عليه موظف السجل المدني باسم “محمد” فهز رأسة موافقاً.

نفس النيل اللي بيعدّي على دير مُوّاس هو ذاته النيل اللي بيعدي على أهالي الحوامدية ويكمّل علي بنها.. ويصيّف في جمصة.. ليه؟! في بولاق بيحلو في عينيا! يمكن علشان شكل المراكب؟ ولا هوا ساعة العصاري.. ولا ذكرى أول جواب غرام مليان قلوب حمرا. وأول موعد غرام عند كازينو الشجرة وحليم بيغني: توبة.. توبة.. توبة ان كنت أحبك تاني.. توبة.

كان اليوم مايكملش بدون عُمرة كورنيش النيل.. كنت بشحن تونجر حياتي من شوفته. تمشية كوبري أبو العلا لحد الدوّامة مشوار شبه يومي.. الفرجة علي براهيم الغريق وهو بينُط من فوق الكوبري ويطلع عند سلم معمل السكر متعة لا تعادلها فرحة دخول سينما علي بابا أو فؤاد. ولا يوم شم النسيم ومواكب العربات المغطاة بالزهور، ومنظر البنات السوريات بجوار المصريات أيام الوحدة والشباب في زي العمال والفلاحين.. أيام كامل عامل في المصنع. وعادل وسعاد في المدرسة، وهيا بنا نلعب، وبديع القمحاوي بيطالبنا بإحضار ورقة وقلم ومراية وخلوا بالكم معايا.. ياللا بقى.. سمع.. هس. ساعتها كنت بسأل نفسي: طيب ليه المراية؟

من بين العربات امتدت يد متسخة عروقها نافرة.. قبضت على حزام شنطة المدرسة.. تمسكت بالشنطة وشدّتها ناحيتي ومعها برز وجه رجل عجوز ملتحي يرتدي أسمالا بالية.. عيونه كانت ببرودة الموت، وشفاهه كانت مشققة وجافة، وخلفه كانت كراريس عديدة ملقاة علي الرصيف. علي التكت كانت أسماء عدنان عمر.. أحمد فاروق.. سلوى حنفي.. شريفة ومايسة الدويني.. حسنية شفيق.. حسني وغريب الجعويني.. جمال فتحي أبو الحسن.

الكراريس كانت بتترعش والهوا بيطّير أوراقها مع إنه كان تقيل وقابض على روحي.. .صرخت.. صرخت: آسيا.. آسيا.. آسيااااااااااااا

كابوس كتم علي صدري.. سأعبر شارع رمسيس وحيدا لحي معروف.. فليكن، ولكن ليس من خلف المعهد الإيطالي.

ماتت آسيا وأنا بقدم ورقي لمدرسة “الناصرية الإعدادية”.. ماتت بنت الاثني عشر عاما، لأن أبًا جاهلاً لم ينهل من الماء والهواء زوجّها لتاجر مخدرات.. ماتت الجميلة صاحبة الصوت العالي في زغاريط الأفراح ونشيد الصباح وتحية العلم.. رحلت وتركت لشلتنا لمعان العيون لما تقابلنا السنين متجوزين وساحبين ورانا عيالنا.. أو في ديوان مصلحة حكومية لما ترفع الموظفة راسها من فوق الورق وتقول: ياااه فتحي سليمان.. بولاق أبو العلا.. صح؟ فاكر آسيا؟ حبك الأولاني.

***

“فــات الهوا علي حيّنا.. قولناله هات العينة”.. ربنا فتح علي “إمام” من وسّع.. فقد انتشرت موضة صنع الكراسي من جريد النخيل.. وعاد صانع الربابات يعمل يدًا بيد مع أخوته في شق الجريد وتنجير الكراسي والطاولات، وصورة أبوه الحاج “جودة الإمام” بتقوله في كل نظرة: “مش قلت لك يا وله حتعرف قيمة الأب لما تبقي أب”.

وانتقلت “نبوية” لمنزل واسع وحواليه غيطان الفجل والجرجير.. ورفضت النوم علي سرير من الجريد بحجة إنها تحب صوت تزييق الخشب وطقطقة المُلّا.

الله يرحمك يا بو إمام.. كان لما يزور “نبوية” في غياب “إمام” يقول لها: ابني كان نفسه يتعلم مزيكا.. بس الإيد قصيرة وكمان الأوبرا اللي وعدنا بيها عبد الناصر ماتبنتش ولا حتي  التماثيل اللي عالترعة اتحطت.

ومن الكاسيت جاء صوت الريس متقال وهو يغني الفراولة.. بتاع الفراولة.. بينما كانت “نبوية” تفتح علبة كمبوت منتهية الصلاحية بعد غدوة دبابيس الفراخ التي لم ترَ لحجمها مثيلاً من قبل، والتي استوردها رجل الأعمال توفيق عبد الحي من بلاد ما وراء المحيط.

على ذكر موضوع الدبابيس ده.. اصطحب “إمام” زوجته نبوية في مشوار توريد طلبية كراسي وخلافه لسيدة أجنبية تقيم بضاحية في الفيوم.. وهناك رأت “نبوية” السيدة وصديقاتها يمارسن الرياضة علي أنغام الموسيقى.. ونكزت “إمام” في جانبه عندما انحنت السيدة وظهرا دبوسا الضهر كنغازات الحُسن في خد الجميلات: فاكر يا “إمام” لما كنت بتمسك الدركسيون ونسافر صحراوي.

فتنهد “إمام” متحسراً على أيام وسط البلد عندما كان نحيفاً والشوارع نظيفة قبل أن تختفي النغازات وسط أرطال السمن البلدي.

وكأن شارع زكي له من الذكريات ما يخُص والدي ويخصّني.. صديق العمر زميل الدراسة ابن الناس الطيبين محمد ناصر محسن فؤاد.

اصطحبني وأنا الأسمر الذي قريب الشبه للنوبيين إلى مقر نادي الكشافة البحرية النوبية بشارع سليمان الحلبي، “دوبرية سابقاً”، للاشتراك كبراعم صغيرة.. وتعلمنا كيفية عقد الحبال، وعرفنا مدلول الأعلام التي يشاور بها ظباط البحرية كلغة مشتركة بين المراكب…

كنا نحضر وننصرف سوياً.. كنا كما أطلقوا علينا البلاك أند هوايت “الأبيض والأسود”.. مثل صوابع البيانو التي يمرر عليها “ناصر” أصابعه ليصدر أعذب الألحان.. في بيت يعرف الفن والأدب وصحيح الدين والصوت الهاديء.

وقفت متمسمرة أمام دكان عم غزولي النجار.. زمّت شفايفها ممتعضة من منظر الخواجة الطلياني وهو يأمر اتنين من التباعين بإنزال باب خشب مطعم بالصدف.

– ياترى سارقه منين إبن الرفضي ده؟.. وطرابيزة إيه اللي عايز عم غزولي يعملها من الباب الجميل ده!

صاحبتها “أنصاف” نبهتها إن مشوارهم طويل.. والمنشورات اللي في شنطة الخضّار لازم توصل قبل صلاة العصر.

الحريم اللي طالعين على مولد سيدي ابو السعود لمّوا رجليهم فوق الكارو من شدّة البرد.. والعربجي نزّل ودان الطاقية وقعد يفرك وينفخ في كفوفه.. وكل مالعربية تترجرج فوق حجارة الشارع. تفضل شفيقة وأنصاف يرفعوا ربطة المنشورات الملفوفة حول أجسامهم.. المتداري تحت الملايات اللف منشورات فيها كلام من اللي يولّع الدنيا.. إشي أشعار لأحمد نسيم، وخُطب من عمنا سعد.. منشورات جمعية الإيد السوداء.. ونظر إلى كفّيه وهي ترتعش بحسرة من يفتقد الشيء.

وفي صباح يوم 10 أبريل سنة 1919 خرجت رصاصة غادرة من شقة عائلة أجنبية علي مظاهرة بتنادي بالاستقلال.. كانت من نصيب “شفيقة” الله يرحمها ويحسن مثواها.. طبعاً الشقة باللي فيها اتحرقت.. لكن البني آدمين كانوا من نصيب العشرة الكرام دول.. ونعتها الحركة الوطنية في بيان جاء فيه:

انجلت الموقعة عن مقتل أول شهيدة في حرب الحرية.. عن أول ضحايا سيداتنا.. عن موت شفيقة محمد بنت حي القلعة الحر. إن أباها قد أودعها عواطف الشعب المصري الكريم، وتعزّى عن وحيدته بحرية بلاده. فهكذا الرجولة وهكذا الإخلاص للوطن.. ففي ذمّة الإنسانية جان دارك مصر شفيقة محمد.

وعندما وصلت الجنازة لمقابر العائلة بمنطقة الغفير.. كان الأسطى غزولي تساعده “أنصاف بنت العدوية”، يملطان الأسمنت المربوب حول مفصلات باب المقبرة المطعم بالصدف.

***

أنهى عم علي “خناق القطط” حكايته وكنت أنتظر منه طرقعة ودن محمد ناصر.. إلا أنه خذلني.. شاخ الأسد الجسور وأصبح يحكي حواديت عن الماضي الجميل.

***

الأستاذ “أحمد أبو عُبيّه”

عمرك قابلت مدرس إنجليزي يقول لك لو محتاج شرح زيادة ابقى عدّي عليا في 6 شارع عماد الدين.. وتروح تلاقيه جالس بين ممثلين مساعدين “كومبارس” وريجيسيرات ومساعدين إنتاج.. والحوار.. كل الحوار عن الأفلام وسحر الشاشة والسينما سكوب.

الطوخي توفيق وصبيح وسُمعة ومحمود فرج والجرسون علي حسن، وعواجيز شارع البستان من كن يعملن أرتستات زمن الأبيض والأسود. عالم بديع من البهجة وحكايا خبايا المشهد في عالم السينما.

أستاذي وتاج رأسي ” أحمد أبو عُبيّه” كان عاشق لعمله ولهوايته.. كان يكره كلمة “فشل”، ومن أول حصة لتلاميذ أولى رابع استعرض أسامينا ومن أي المدارس قدمنا؟ استوقفته “مدرسة بحر الآداب الابتدائية” ببولاق أبو العلا. فرفع رأسه ليجد طفلا أسمر يشبه تختخ بطل “المغامرون الخمسة”.. وسألني ما هي علاقتك باللغة الإنجليزية.. فأجبته: لي ثلاثة أشهر أدرس قواعد اللغة في مدرسة “مورس” التي تعلو محل الأمريكين، وتعلمت فعل أكون وأملك وأعمل.. ووالدي دائماً يقول لغة زيادة تعني رزقاً زيادة.

ثلاثة أعوام في مدرسة الناصرية وناظر المدرسة يستدعيني لحجرته في بداية كل عام دراسي.

يا ابني اختار ما يروق لك ويناسبك.. فمعونة الشتاء لا تنطبق إلا عليك.. ويظل يلح علي في أخذ المزيد.. ويشير إلي أن ما أختاره ليس مقاسي.. بالتأكيد ليس مقاسي.. فهي لشخص آخر.. وأنا لن أرتدي ملابس يعلم الجميع أنها معونة الشتاء لفقراء المدرسة. كنت أشتري ملابسي من ملابس الأهرام بالنقود التي حصلت عليها من عملي.. مرة في مطعم الكورسال ومرة في كشري جحا.. وفي أجازة العام الثاني للمرحلة الإعدادية عملت “أبلاسير” في سينما ديانا.. أجلست كل من صرخوا يعددون قبلات عبد الحليم حافظ في فيلم “أبي فوق الشجرة”، وتعلمت الحب واقفاً.. وعدت ليال كثيرة سائراً فوق السحاب أردد: مشيت.. مشيت على الأشواك
وجيت لأحبابك.. لا عرفوا إيه ودّاك
ولا عرفوا إيه جابك.. رميت نفسك في حضن.. سقاك الحضن حزن.

آه من جمال شوارع وسط البلد بالليل، وكل عامود نور شايل قمر، وشبابيك البيوت مستنظرة شلة سهر. والأرصفة بتلم رجليها والدنيا بتحسب اللي ليها واللي عليها. يفضل قمري أنا سهران.. ست الحبايب أمي الغالية في شباك الصالة اللي طالل علي شارع جلال في بولاق أبو العلا.

***

في أرض المعارض القديمة، مكان الأوبرا حالياً، وجدت نفسي وجهاً لوجه أمام أجمل بنات بولاق.. زميلة الكُتّاب ومدرسة بحر الآداب.. نجوى السمراء صاحبة العود ورائحة العود. بنفس رموشها الطويلة وصوتها المسهوك.. لكني كنت نسيت الواقعة التي جعلتها تسألني بابتسامتها المعسولة: لسّه بتسرق حمير يا فتحي؟

كنت قد امتطيت حمار والدها صاحب أكبر شفخانة في بولاق، ولم أكن أعلم أن الحمار لا يحيد عن طريقه في العودة للإسطبل.. حاولت مرارا أن أغير وجهته إلى شارع الكورنيش لأمر على الشلة وهم جالسون تحت شجرة أم الشعور.. ولكن هيهات.. الحمار متجه نحو الهدف بإصرار عنيد.. حمار بقى.

واستقبلني كلاف الإسطبل وصبيانه وهات فين.. طيب..أي ي ي. مين الواد ده.. ده ابن عم سليمان يا له.. يالهوي.. ده زميل البنت في المدرسة.. حد يجيب شوية بن وحتة شاش.

الشوارع كانت كبيرة وواسعة عندما كانت أقدامنا صغيرة ونن عيوننا بيشوف أبعد مدى. دلوقتي الشارع نعديه في خطوتين.

سألتها: ممكن أوصلك.. هزت رأسها موافقة.. بس على شرط نروح عن طريق كوبري أبو العلا.. بخاف من الأسود!

عارف إن أنا شفتك سايح في دمّك مرتين؟! فاكر يوم؟ وريني صباعك.. أيوه هو ده.. لكن الحمد لله الجرح التئم.

يومها سيد العبيط، ابن الست “جمالات كفتة” حدف طوبة على عربية الشربات الملون وانكسر زجاج الدورق الكبير، وطارت الزجاجات والمصاصات الملفوفة، لأجد إصبعي البنصر يقطر دماً.

عارفة إني كل ما أفتكر الحادثة دي صباعي ينقح عليا.. وعارفة كمان إن سيد العبيط ساكن في الشقة اللي كنا ساكنين فيها يوم حادثة الصباع.

عبرنا الكوبري ومقام السلطان وسوبيا بدر وأبو الجوخ وزجمار، وعند سينما علي بابا شاورت علي شقتهم الجديدة وقالت: فاكر لما كنت بقول لك نفسي أعزل من الشفخانة وأسكن بيت نضيف بعيد عن دوشة الحمير وريحتهم.. أبويا الله يرحمه حقق لي حلمي واشترى الشقة اللي فوق مستشفى الشعب لعلاج الحيوانات التابعة لجمعية بروك الخيرية.. علشان مايبعدش كتير عن صوت النهيق وتوجع الحمير من حقنة البيطار.

هههههههه سلام يا نجوى.

تصبح على خير.

***
أجمل ما في الحياة مقالبها الطريفة.. أمورها العجيبة.. فاكرين إنها ماشية علي هوانا وأتارينا احنا اللي ماشيين علي هواها. وساعات كتير مستنيين لطشة هواها.

عيني كانت مصابة برمد حبيبي والمرحومة “آسيا” عندها مغص يخص البنات فقط، وكانت نجوى لأول مرة تخرج معانا للصحة المدرسية في رملة بولاق.. أفتكر كانت بتعاني من قشر في الراس.. وتمرجي الصحة أعطاني زجاجة فيها دواء اسمه “راوند” واستنيت آسيا فجاءت ومعها زجاجة مشابهة، وبعديها نجوى تحمل نفس الراوند! وقفنا ننظر لبعضنا ونقول: آسيا حتشربه للمغص.. ونجوى تغسل بيه شعرها.. وأنا لازم أشتري قطّارة.. ماهو ماينفعش أنقط بالقزازة في عيني. ياااه ده الراوند ده كاس وراوند علينا.

رجعنا مشي واحنا بنرُج زجاجات الراوند ونضحك.. وخصوصا لما عدّى علينا ترامواي 6.. الترامواي الصيفي المفتوح من كل ناحية.. الدنيا مطرت وركابه شربوا المية وهم جالسين.. يهربوا من الشمال تجيهم الميه من اليمين.. والسنجة عملت شرظ كهربا ونزلوا يجروا يستخبوا تحت مظلات المحلات.. 5 دقائق مطرة والشارع يتحول لبركة سباحة.. البلاعات مسدودة والناس لابسين بلوفرات صوف وأحذية من الورق المقوى، والحاج المحمدي وصبيانه بيلموا البطاطين من أمام المحل، والنجار بيدخل خشب غرفة نوم عروسة جوّه الورشة، وعربية طرطشت علينا وجريت..5 دقائق أربكوا المشهد مع إن كل الكتب بتقول: حار جاف صيفاً.. دفيء ممطر شتاء!
***

ياسامباتيك بالقوي يا مهندم

تسمح تقابلني الليلة يا فندم

والسامباتيك ده هو بكر حسان قريب والدي.. الأسمر القادم من أسوان.. الذقن الحليقة دوماً.. الشعر المسبسب والمدهون بريانتين.. البدلة المشتراة من سوق الكانتو وفوقها البالطو الموهير برضوا من سوق الكانتو.. الحذاء الأبيض في أسود.. لألألأ أسود في أبيض.. من وراء شركة الكهربا وتحت بيت الدويني اشتراه بـ 40 قرشًا. مستعمل وفي حالة جيدة.

“بكر” يا سادة شاب متعلم وطموح.. 34 سنة ولم يتزوج عكس كل الصعايدة في نفس سنه.. يطلع مع فوج سياحي لزيارة معابد إسنا ولا كوم أمبو.. يعدي بيهم على مقبرة الأغاخان.. ينزل بيهم الأقصر ولا القرنة القديمة.. إنجليزي لبلب وشوية فرنساوي ماركة سوق البراغيت في باريس، وكمان بيتكلم طلياني زي أهل سردينيا الصعايدة زيه.

نزل يتمشى في وسط البلد وخدته رجليه لشارع جانبي بين قصر النيل وعبد الخالق ثروت.. لفت انتباهه راجل ماسك جرس وبيعلن عن بدء جلسة مزاد على باب صالة عريقة.

أعاد ترتيب الكوفيّه داخل ياقة البالطو، وداعب المنديل المطل من الجيب العلوي، وأخذ يطالع اللوحات وينحني بعظمة ليقرأ اسم نحات حفر اسمه علي مسبوكة فنية.. وسأل موظف الصالة عن لوحة معلقة على الحائط للرسام العالمي “مونييه” فتلعثم الرجل وقال إنها ليست للبيع لأنها تخص صاحب الصالة.. وعندما أعلن الموظف عن بدء المزاد اقترب من “بكر” رجل وفي كلمات واضحة المعالم عرض عليه مبلغا من المال كي ينسحب ويترك المزاد.. فوافق شريطة أن يحصل علي لوحة “مونييه” المقلدة حتى لا تؤثر على سمعة الصالة.. وخرج وهو يتمنى للجميع حظاً أوفر.

لفحه الهواء وهو يبتسم رابتاً علي مبلغ 200 جنيه مصري من اللون الأحمر تتصدرهم صورة فاروق المعظم، ملك مصر والسودان.. دخل شارع عماد الدين متجها صوب شركة “بارامونت” ودفع عربون ماكينة عرض سينمائي وعدد من علب الأفلام الأمريكية، وسجل الموظف عنوان العميل الوسيم في مدينة لم تدخلها قاعة سينما من قبل. ومن هناك دلف إلى مكتب “إخوان جعفر” واتفق على توريد جديد الأفلام لسينما “بكر بالاس” بأسوان.

كان والدي من النوع الذي يستيقظ مبكراً ويقول دائماً بارك الله في الرجل البكّــور الذي يسعى لرزقه ولا ينام موخماً لصلاة الظهر.. وكنت كل مرة أتذكر حكاية بكر حسان وحظه الرائع مع أنه ينام حتى العصر.. بكر الذي ظل يزورنا في منزلنا المتواضع حتى بعد أن اشترى لوكاندة في شارع رمسيس.. واستقبلني خير استقبال في كازينو بكر السياحي علي نيل أسوان الجميل، ورفع رأسي أمام طلبة معهد السياحة والفنادق أثناء رحلة الأقصر وأسوان.. حجز قاعة السينما بكاملها في حفلة السادسة مساء وخرجنا لنجد الكازينو مفروشًا لاستقبالنا.. وكاسات الكركديه وعصير الدوم في استقبالنا.. وعندما أصر مدير المعهد على الذهاب بنفسه لمكتب بكر حسان ليشكره كانت لوحة “مونييه” تعلو مكتبه في إطارها القديم.. فنظرت لها وله وابتسمنا.

***

ظلت علاقتي بأستاذي وأستاذ الأجيال أحمد أبو عبية أشبه بعلاقة الابن بوالده.. أمر كلما أنهيت عملي على 6 شارع عماد الدين حيث يجلس بكامل بدلته الأنيقة، وابتسامته المحببة.. يستقبلني مرحباً ويسأل عن أحوالي وسط نظرات الكومبارس الذين يعلمون أنه موجه أول اللغة الإنجليزية بإدارة وسط القاهره التعليمية، علي درجة وكيل وزارة، وأنني من تلاميذه على الرغم من الشارب الذي خط في وجهي.

كان يومها يمثل دوراً في فيلم “دمي ودموعي وابتسامتي” فسألته عن النجمة نجلاء فتحي هل هي طويلة كما نراها في السينما؟

كانت روايات إحسان عبد القدوس تميمة الحظ للأفلام التي تبقى في صالات العرض لأسابيع طويلة.. لكن أفلام نجيب محفوظ تبقي طويلا في الذاكرة.. شخوصها قريبة الشبه بأهلنا وجيراننا.. أحداثها سمعنا عنها من أجدادنا.. إحسان كان يشبه كاس البروفيترول في محلات الأمريكين عندما يعزمني ناصر وأخوته.. بينما “نجيب” تشتم رائحة العرقسوس بين طيات كتابته.. ومصروفي كان يكفي لكوبين وأكثر عندما أعزم ناصر ونحن عائدون من المدرسة ببنطلون شارلستون وسوالف طويلة وشعر علي هيئة مايكل جاكسون.. راحت الأيام تباعد بيننا، ناصر في كلية التجارة الخارجية بالزمالك، وأنا في الجهة الأخرى من النهر خلف سكن الممرضات بالقصر العيني.. حيث يقبع المعهد بحديقة مور الجميلة.

يأخذنا أساتذتنا لنتدرب في الفنادق الخمسة نجوم.. ويسعدني وجود ناصر بفرقته الموسيقية التي كونها مع شباب يعشق الموسيقى مثله.. كنا على جانبي الحياة.. نعبر النيل العظيم لنلتقي.. هو خلف الأورج يداعب الأصابع السوداء والبيضاء، وأنا في حلة سوداء وقميص أبيض أتنقل ملاطفاً ضيوف الحفل.

يا محلا لون الضل في عيون البنات

العيون اللي بتقول حتي وهي ف حالة سكات

الظاهر إن الدفا اللي في الحارات بيعلم القلوب تعشق.. حبيت في ابتدائي.. حبيت في إعدادي.. وحبيت في ثانوي.. حب غير الحب اللي في الكتب.. حب مافيهوش التزامات.. حب دايت.. سطرين في ورقة وشوية عصافير ملونة ووردة بدون شوك.. تمشية على الكورنيش في ساعة عصاري وابتسامة حلوة لما نتقابل بعد سنين شايلين ذكرى أيام قضيناها وسط الناس الطيبين.

حب كان متغطي بعُرف شعبي.. زيتنا ودقيقنا في جيتو اسمه بولاق.. بين ناس تخصنا ودمهم من دمنا وعارفين كل حاجة عن بعضنا.. حب لبنت الحتة محصور في منطقة الروح لا الجسد.

بالرغم من وجود كتير من المظاهر السلبية، والكلام الماسخ عن الأحياء الشعبية، إلا إن صوت عربية الإسعاف لو دخلت المنطقة تجد كل الجيران بتسأل مين وإلى أين.. ومائة يد تساعد، وعشرين كتف واقفة جنب أهل المريض…

دفا على عكس الجزر المنعزلة  في الجانب الآخر من النهر.. الناس هناك مالهاش ملامح، والعيون مالهاش قلوب.. النشا هناك نشّف القلوب قبل ما يعفّر علي الياقات.

ولا تفسر بإيه؟ السيدة الشقراء الجميلة التي صعدت عمارة البدراوي عاشور وألقت بنفسها من الدور السادس.. أومأت برأسها لكل من ألقى عليها التحية، وتبسمت في وجه أطفال الجيران الذين كانوا يلعبون على البسطة أمام شققهم، وظن الجميع أنها تقصد سكان الدور الأخير فابنهم يدرس في ألمانيا.

وفجأة دوّى صوت ارتطامها علي أرضية بير السلم.. قالت وهي تنظر لخيالات تقف علي سلالم العمارة إنها سعيدة لموتها وسط أناس يحبون الحياة هناك! وأشارت بإصبعها ناحية النهر.. يعلم الناس بموت ذويهم عندما تتراكم الجرائد أمام باب الشقق.. المحضر لم يستغرق وقتاً طويلاً، بينما كان جهاز اللاسلكي الخاص بالقسم يتسلم رسالة من نقطة شرطة الجزيرة عن اختفاء سيدة تعاني من مرض نفسي.

في مثل تلك الحالات لا يهتم أفراد القسم الاستيفه ببلاغ اختفاء شخص إلا بعد مرور 24 ساعة من الواقعة. ولكن لكونها أجنبية فأول ما يتبادر لذهن أمين الشرطة هو سمعة مصر في الخارج.. باسبورها ولون جلدته الخارجية بيعمل لهم ارتكاريا.. أما لو كانت مصرية فورق اللحمة الأخضر الذي يحمل ختم النسر قليل عليه الأربعة وعشرون ساعة.

نهض الضابط لاصطحاب الجثة لثلاجة الموتى، وترك خلف الكرسي جثة أخرى تحمل ندبات علي وجهها.. اللوحة القديمة ضاعت ملامحها بين أرقام محاضر تسليم واستلام. وجرد سنوي للمفقودات والموجودات وإمضاء رؤساء اللجان الفرعية والرئيسية. وأسماء كانت نقباء وترقت إلى رتبة العقيد.. جثة مجهولة المصدر ولم يبلغ عن اختفائها أحد بالرغم من مرور ما يزيد على 20 عاماً.

تصغر الدنيا عندما تكبر الخطوات

ما ظننته بحرا كبيرا يفصلنا عن العالم.. تأتي منه السفن لتضرب الإسكندرية ويطوّق فيه الأسطول الإنجليزي سفن بونابرته، ويرحل منه سعد ورفاقه إلى باريس، وتمخر المحروسة عبابه وتعود بدون فاروق.. بدّا وكأنه بحيرة صغيرة عبرتها ست مرات بتعريفة لا تتعدى الاثنتى عشر جنيها مصريا. جمعت حبات الكرانبري في مونبلييه وشتلات الروزماري في أضنه وهاتاي. واصفرت أصابعي من فتلات الزعفران في إيبيزا وبلد الوليد. وساحت الأقدام في بلاد مختلفة وشوارع واسعة بين عيون ملونة وشفاه تهمس وطعام محسوب بالسعرات.

عرفت، وأنا القادم من الجنوب، قيمة اللون الأسمر في بورصة الألوان. عرفت كيف يذوب الحليب شوقاً وهو يستحلب قطعة شيكولاتة كورونا مصرية.. وعدت أفرغ صندوق الحواديت على كراسي قهوة بسطاوي، وتسافر الأحلام من فوق الكراسي تحمل آهات المستمعين وتندب سور العمر الذي انهار علي كتف الزمن.

السفر في إجازات الجامعة كان ممتعاً، والتأجيل كان متاحًا قانونا طالما كانت هناك هدية معتبرة من السوق الحرة تطفيء ظمأ الموظف العمومي.

اليسار يحلم بتغيير العالم في خمس دقائق.. الوقت الكافي لاحتساء كوب شاي ساخن.. تنظير شفهي وأحلام وردية.. كانوا يحلمون بغد تسوده العدالة الاجتماعية والمساواة، وكان ناصر يعمل علي نهج اشتراكية تلائم طبيعة الشعب، وكلاهما كان يقول نفس الكلام، ولكن كلاهما كانا يتكلمان في نفس الوقت، وينتهيان من طرح أفكارهما في نفس الوقت، بدون أن يستمعا لبعضهما البعض.. واستغل أحفاد المماليك وصبيان القصر، والذين أضيروا من ثورة يوليو، الموقف وأشاعوا بينهما الفرقة والاختلاف.. وحدث أطول اعتقال في تاريخ مصر الحديثة، وللأسف في ظل سلطة وطنية وتقدمية. ووسط طوفان من الشتائم والاتهامات المتبادلة تاه العقل والمنطق. وتفاجأنا نحن البولاقية باعتقال الصحفي فتحي عبد الفتاح محرر جريدة المساء بتهمة أنه شيوعي.. خبطت “عُلّما” على صدرها وقالت: يالهوي.. دول الناس اللي بيقتلوا المشايخ ويدوسوا على المصاحف.. دول بيناموا مع أخواتهم يا شيخ علي!

ومن الراديو جاء صوت أحمد سعيد وهو يقول: هيا يا عرب.. أجهزوا عليهم.. الشيوعيون الملاحدة.. طهروا التراب والتراث.. أقتلوهم حيث وجدتموهم…

يامثبت العقل والدين.. معقول شهدي عطية وفيليب جلاب ونور الدين جاسر ملاحدة! فيه حاجة غلط.. فيه حاجة غلط.. معقول الاشتراكي النزيه محمد عبد المجيد صالح، “محمد هجين”، يطلع من أعداء الثورة!
الشباب اللي بيتكلم عن الاشتراكية والعدالة وتوفير حياة إنسانية للفلاحين يترموا في البوكس زيهم زي صبيان تجار المخدرات.

الفجر.. الفجر.. ساعة صحيان الست أم حلمي لصلاة الفجر تلاقي مخبرين عيونهم مليانة جمود وبلادة وتحفز جايين يقبضوا على جوزها. وينزل معاهم يلاقي محمد خليل قاسم، ومبارك عبده فضل، قاعدين على دكة البوكس ببيجامات البيت.

مسئول العمل السياسي في بولاق.. عمرك سمعت عن عمل سياسي مالوش أتباع ولا قاعدة شعبية.. “فتحي افندي” كان من الجورنال للبيت ومن البيت للجورنال.. مسئول إيه وسياسة إيه دي اللي بيحاكموه عليها.

الناس في بولاق، اللي بيفهموا في معادن الناس، مصدقوش ان ابن جيرانهم صاحب الصوت الرجولي محمد حمام يعمل حاجة غلط.. وتاهوا ما بين حبهم لناصر وفجيعتهم في عمايله.. معقول يسجن الباشمهندس فوزي حبشي ويحرم الغلابة من ذبيحة كل عيد أضحي، ولا أحمد طه.. أحمد طه صوت العمال الوطني.. صرخة الحق والبحث عن حقوق العمال.. وهنا فكّت والدتي منديل كانت تصّر فيه مبلغاً للطواريء وقالت:

– قوم يا سليمان ابعت لعياله القسط الأخير من تمن الراديو اللي اشترناه منه، واسألهم لو محتاجين أيتها خدمة.. واتجمعت ستات الحي حوالين أم “حمام” وهي بتغني بصوتها الجميل:

زعق الوابور علي السفر

أنا قلت رايح فين

رايحين تغيبوا سنة

وللا تغيبوا اتنين

***

الترامواي.. أمنا الغولة.. النداهة التي تسكن النيل ليلاً.. تحذيرات أهالينا والخوف الذي تركوه يرعي وينمو داخل عقولنا الصغيرة.. خوف ممنهج وتحذير لغرض معين.. تعدية شارع أو الذهاب بعيداً عن المنزل، والأهم النوم مبكراً مع تغطية الرأس حتى لا تسمع أمنا الغولة صوت أنفاسنا وتأتي تفتش عن نظافة الأنف والأذن والأظافر.. لدرجة إني افتكرت إنها ناظرة مدرسة العفاريت.

ذهبنا كثيرًا عند النهر ليلاً ولم نرَ النداهة.. ألقينا حصوات صغيرة لإيقاظها.. في البداية ألقيناها خائفين.. وعندما لم نسمع لها صوتاً ولم تغضب من أحجارنا تمادينا وتبارينا أن تلمس الأحجار سطح الماء مرتين وثلاث في ضربات مائلة تصل أحيانا إلى منتصف النهر.. ونمنا في كثير من الليالي بتراب الشارع ولم تأتي تلك الغولة المزعومة.. لكن الترامواي جاء وأخذ رجل “سيد” فيلسوف الحي الصغير.. التهم الحديد الأصفر ساق سيد وهو عائد من سوق روض الفرج مع والده.. وفي القصر العيني سأل سيد والده عنها فقال راحت مشوار وحترجع بعدين.. وعندما عادت أخذ سيد وقتاً طويلا لكي يعتاد علي التعامل مع ساق خشبية ترتدي جوربا وحذاء طيلة النهار والليل ولا يصدر عنها رائحة.. لولا حادثة الترامواي لكنت مخرجاً رائعاً.. لولا حادثة الترامواي لكنت حصلت على جائزة.

لالالالالا النهاية كانت مفروض تكون غير كده خالص.. أخدت بالك من غلطة المشهد الليلي.. بائع الفول ظهر في مشهد المطاردة وحوله نفس الأولاد الذين كانوا في المشهد النهاري.. ويظل “سيد” يجتر أحزان الأعوام الخمسة التي حاول فيها دخول المعهد العالي للسينما وتأبي اللجنة.. كان يظن أن الترامواي  وبتر ساقه هما السبب، ولم يتسلل له الشك في أن البتر في عقول أعضاء اللجنة.. فساق ناقصة لا تمنع من صناعة مخرج جيد.

ظل تاجر الخضار والفاكهة يشاهد بازوليني وفيسكونتي وتورناتوري، ويحضر العروض الأولي للأفلام الحديثة كعضو في نادي السينما، ويحمل حباً واحتراماً للأستاذ الكبير أحمد الحضري الذي منحه فرصة معايشة الحلم.

***

“فتي مات بين الطعن والضرب ميتة

تقوم مقام النصر إن فاته النصر”.. أبو تمام

لكل منا مثال حي يمشي على قدمين.. شخص تتخذه نبراساً لك.. تحاكي خطواته.. ترتدي مثله وتتحدث مثله أيضاً.. “فهمي” كان يستيقظ مبكراً كي يشاهد أستاذه وهو في طريقه للجريدة.. ويظل طيلة النهار يقرأ لزبائن الصالون مقالات الأستاذ ويشرح ما فيها من معانٍ وإسقاطات. لم يتعلم فهمي مهنة والده إلا لكي يحلق ويصفف شعر الأستاذ.

يترك فتحي عبد الفتاح رأسه بين أصابع فهمي قرابة الساعة.. الجالس يتحدث عن الماركسية وثورة 17 في روسيا، والتخلص من سيطرة الإقطاع والقيصر.. والواقف يكتم صوت المقص حتى لا يغلوش على صوت الأستاذ، وحين يتطرق الحديث عن الثورة والحرية والعدالة الاجتماعية والدستور.. يتسمر الفتى الخجول ويديه تحملان المشط والمقص محازيان لصدره.. فتى غفر للجميع ما فعلوه معه.. أب تزوج بعد أربعين والدته بليلة واحدة.. وزوجة أب تلد كل ليلة رؤية هلال رمضان.. ومريلة تيل نادية التي حرموه من ارتدائها.. وأقلام قصفتها يد زوجة أب لا تتورع عن إطعامه طبيخًا حامضًا وخبزًا أصابه العفن.. ومهنة كانت تنحصر في التقاط ما يسقط على الأرض وإسقاط ما يعلق بملابس الزبائن من شعيرات. كانت حياته خيوط سوداء لا يعلم إن كانت شعيرات أم حظ أسود.

مات والده وسنة الأفيون تذوب بين لسانه وأسنانه الصفراء، وترك له خمس بنات من سيدة لا يستطيع أن يكرهها، وهناك من علمه أن الحب يسع الجميع.

ظلت الغمامة فوق عين الجحش الذي يدير الساقية.. الفتي الخجول الصامت دوماً.. الفتي الذي ظن يوماً أن الأرانب تشرب اللبن مثل القطط.. وضحكت والدتي من سذاجته وأرسلته إلى “علما” ليجمع أوراق الخس والكرنب الملقاة حولها لإطعام الأرانب.

خمسة أعوام غابهم فتحي عبد الفتاح عن بولاق، ما بين القلعة والسجن الحربي والمزرعة، وعندما كاد أن يفقد عينه في مستشفى القصر العيني لم يفقد صلابته، ولم يعتذر عن خطأ لم يرتكبه، وخيانة لم يقترفها.. لأنه وبكل بساطة كان أكثر وأصدق الجميع في التعبير والدفاع عن الحقيقة.. الحرية.. ومشاركة الجماهير في صنع مجتمع تسوده الكفاية والعدل.

***

“مال الميزان يبقى لازم كل حمل يميل

والقاضي ميّل ومال فاصل في دم قتيل

وآدي الطبيب ماسك السكينة لك يا عليل

جزاري مين يا طبيب قاللي ما أنا الجزار

طبيبي مين قال ما أنا برضو وموت يا حمار”.. نجيب سرور

ما بين خناقة كل يوم علي الإيراد مع أم البنات، وبين وقفة الساعات وتعب الدوالي، اتغير لون الشعيرات السودا الساقطة من رأس “فهمي”.. وعرفت رجلين ” فهمي” سكة لاظوغلي بحجة إنه بيلسن على النظام.. وهناك عرف لأول مرة إن فيه مواطن مصري اسمه فهمي نبيل، وإن فيه حد بيمشي وراه من الدكان لحد بيت فتحي عبد الفتاح، ومن المركز الثقافي التشيكي ليلة عرض الفيلم، وكوباية الشاي التي شربها علي قهوة ممر العابدية، وعرف كمان إن مرات أبوه علي علاقة بالشاب الذي يعمل مساعدًا له.

من مايو 66 لغاية يونيه 67 وذقن “فهمي” الطويلة تعدت مرحلة اليساريين والإخوان إلى مرحلة السلفيين.. لكن عينيه والحزن اللي سكن وربّع فيهم كانوا شبه “بولاق” وهي خارجة تقول لجمال “أحا أحا.. لا تتنحي.. من تسبب في تعطيل المسيرة فعليه إصلاحها”.. وفرح جداً لما عرف إن صديق العمر سيد المخرج هو من اشترى نصيب أم البنات التي هربت بيهم إلى موطن راسها.

تجارة الخضار والفاكهة مهنة محترمه زي حلاقة الروس.. خليك معايا يا فهمي حتعيش وتنبسط ويمكن كمان تتجوز.. يا بني انت عندك 35 سنة ولازم تخلف لك حتة عيل تتركن عليه، وسيبك بقى من حلاقة الروس وكلام الروس.

حمد الله على سلامتك وربنا يجعلها آخر القضبان.. تعالي.. حسن وصل قبلك ودفناه في الغفير.

“عبد الحكيم ضيّع لي ولدي”.. أنا تاري عندك يا حكيم.. والعزا يملا ويفضي وعم ضاحي يصرخ “أنا تاري عندك يا حكيم”.

“صدق الله العظيم”

عايزني أتجوز وأخلف عيال لأمنا الغولة.. يالا بينا على العنبة نشرب وننسى.. برد اللاظوغلي نشف خيالي.

***

قالت الحورية رقم 2: إنتي وحسن واحد

إنتي وحسن نصين

جسدين بروح واحد

ولا جسد بروحين

قالت نعيمة: لو كنت أعرف إن الوعد متداري

قالت الحورية رقم 3:  الوعد دايما كده

يتداري زي الديب

ويطُب ماله طبيب

قالت نعيمة: والله يا عالم ما كنت خرجت من داري

الله يرحمك يا نجيب سرور.. نسيت نعيمة وخدت ابن عمها.. طول وعرض وقيمة.. لكن في الأعياد والمواسم تطلع نعيمة على ترب الغفير.. وتعاتب حسن وتسامحه وترجع تكمل مشوار الحياة.

***

عندما حان موعد تجنيدي.. كان شيخ حارتنا قد توفي إلى رحمة الله.. وبانتهاء مهلة التأجيل وصلني إخطار من إدارة التعبئة بالتوجه للقسم.. 6 أكتوبر سنة 1981.. يمكن اليوم ده يكون أجازة رسمية.. عرض عسكري في مدينة نصر وداخلين علي العيد.. الأفضل إني أروح أسلم نفسي بعد العيد.. مجاتش من يومين ولا تلاته.

صفوف عساكر الصاعقة بتلمس رجليها الأرض زي راقصات الباليه، وبعديهم جنود المظلات بشكلهم البديع.. صوت المجنزرات أعلى من صوت المذيع، ودبابات الساتيرن نغبشت أسفلت الشارع، والمنصة لابسة بدلة التشريفة المكوية، وعلم مصر في ديل الطيارات بيميل مع كُم الريح.. نزلت السبت واشتريت موس حلاقة من البقال.. وانا برغّي الفرشة بالصابون طيارات الميراج في السما، ورتل عربيات زل وماز روسي على الطريق.. صوت رصاص.. أيوه ده رصاص وكثيف كمان.. فيه حد اتخبط في الكاميرا.. انقطع الإرسال.. والدي خبط على التلفزيون وشال وصلة الإيريال ورجعها مكانها. الصورة ثابتة في كل الشاشات.. اتجهت الأنظار إلى شقة أم سعد.. طلعت في البلكونة تقول: الظاهر يا ولاد إن الراجل اتقتل. نطّيت في جزمتي ونزلت السلالم جري.. ولأول مرة أشوف الجارة الشيك واقفة في جلابية بيتي من غير الروب دي شامبر الذي يتندّر عليها الحريم بسببه.

علي الكورنيش فيه صدمة بتتمشى في الشارع، وعند مقر مجلة “أكتوبر” فيه حد أصابه شلل زي الريس عبد الواحد في فيلم “رد قلبي”.. وسط البلد بدّت كمن تجرع لتر ويسكي بمفرده منتظرا عشيقة، وعندما جاءت متأخرة لم يستطع القيام معها.

– لا شماتة في الموت.

– وهي دي موتة يا دكتور مجدي؟

– دول أكيد بتوع الخوميني! الناس قالوله مالكش دعوة بالشاه.. يندفن في أي جبانة بعيد عننا.

– يمكن اليهود.. علشان ضربهم علي قفاهم وأخد سينا؟!

– يكونش الواد القذافي! اتفق مع شوية ناصريين!

– تلاقيهم الأمريكان.. علشان لقيوا مقاول أنفار أشطر منه مع إنه تربية إيده!

سكوووت يا جماعة.. خلّونا نسمع التلفزيون.. لا إله إلا الله.. الله يرحمك يا أنور.. مالحقتش أعمل فلوس في أيامك.

شاهد أيضاً

محمد عادل

شوبان .. محمد عادل

  أستمع أحيانًا إلى موسيقى شوبان وأقول في نفسي: «كيف لرجل لم يشهد بشاعة الطاعون …

اترك رد