المقامة الفنوغرافية .. بيرم التونسي

بيرم التونسي

قال: بَعْجرُ بن قحطان:

جمعتني حديقةُ الأسماك.. بشاب من أبناء ذوي الأملاك.. يلوحُ على وجهه الخير.. ويدرس في مدرسة يقال لها الفُريْر.. وبالرغم من طربوشه، وعمتي.. وبدلتهُ وجبتي.. فقد تعاهدنا علي المزاملة.. ودوام المُقابلةُ.. ليعلمني الفرنسية.. وأعلمهُ العربية.

وقد انتقل الدرس من الحديقة.. إلى منزلهم في الجزيرة.. حيث يوجد أمام السلاملك جناح.. تخفقُ فيه الرياح.. وفيه حجرتان.. مفروشتان.. وأخريان.. فارغتان.. ولا ينام فيه أي إنسان.. هذا، عدا مسكن البواب والطباخ.. ومكان الأرانب والفراخ.

وفي كل مرة أدخل فيها عند هؤلاء القوم.. أشم روائع التقلية والثوم.. والطواجن تفوح.. والخدم بالآنية تغدو وتروح.. أو أسمع الضحكات تتعالى.. أو الفنوغراف شغالا.

ولن أنسى أختيه اللتين تبدتا

نهار قدومي تقذفان الصوالجا

تعمدتا إرسالها فوق عمتي..

(كويتشًا) إذا جُست تثيرُ اللواعجا

وقد كان هذا الجناح حَدّنا.. ونجلس فيه وحدنا.. ولا يأتي أحدُ عندنا.. وبعد الفراغ من الدرس.. يدخل هو السلاملك.. وأذهب أنا إلي حالي وما أملك.. حيث أسكن درب المقشات.. والمسافة كليومترات.. وكنت أقولُ لا بأس.. فالناس خُلقت للناس.

وفي ذات يوم.. أرسل لي عمي من الفيوم.. قفصاً من تين البرشوم. وزنه ثلاثون أُوقَّة.. ولا يُقدِّر غير العارفين حقَّه.. هذا القفص يأتي كل عام في هذا الميعاد.. وينتظره الكثيرون من إخواني الأمجاد.. مثل سكرتير الأزهر.. وابن الشيخ الأصغر.. والكل يقول: أين التين يا بعجر؟ ولكني حملت القفص إلى دار هذا الصاحب.. لأقوم نحوه ببعض الواجب.. وتالله ما ذقت منه تينة واحدة.. وتا لله ما رأيت مثله على الصماء.. وكان الوقت عندئذ وقت غداء.. والشمس تُذيب الصخرة الصماء.. فأخذه مني البواب.. وأغلق في وجهي الباب.. فقلتُ لعلِّي جئتهم على غير ميعاد.. وبدون استعداد.. ورجعت وأنا أقول.. لقد حازَ هذا التين القبول:

يا تين بعجر قد ظفرت

بلثم هاتيك الشفاها

وضُممتَ بين أناملٍ

ألماس مشتعلاً حٌلاها

ياتين بعجر كن على..

الأفواه أحلى من لماها

وبعدها اجتمعنا للمذاكرة كعادتنا صامتين.. ولم نذكر قفص التين.. وفي يوم آخر.. جاءني من قريب في المنزلة.. طرد فسيخ لا مثيل له.. فقلت: والله لا يأكله سواهم.. فمثل هذه الأطايب لا تصلح لمن عداهم.. وماذا يُفيدني من السكرتير الذي يأخذ نصفه.. ويفتح به نفس زوجته ونفسه.. هؤلاء أوجب حقاً.. وخير وأبقى.. وليعلموا أن نجلهم.. يصاحب ابن ناس مثلهم.. وأعطيت الطرد للبواب.. فأخذه أيضًا وأغلق الباب.. وغاب.

وعُدنا للدرس كالعادة صامتين.. وسكتنا على الفسيخ كما سكتنا على التين.. فمن عادة الأرستقراطية.. ألا تذكر الهدية.. وبعد شهر جاءني خطاب من العينية.. يُنبئ برجوع أخي من الجهادية.. ويقول إنه في اشتياق.. ينتظر اللقاء والعناق.. هذا أخي الذي لم أرهُ منذ عامين.. وهو مني بمنزلة العين.. ولهذا أعددت للسفر العدة.. وأخبرت صاحبي قبل السفر بمدة.. وقصصتُ عليه المسألة.. وأحوال العائلة.. وأن أخي جاء من السودان إلى الأرياف.. أي من جفاف إلى جفاف.. وطلبتُ منه أن يُعيرني الفونوغراف.. لأخفف به كربه.. وما عناه من الغربة.. فنظر إليّ بحذر.. وقال: ستأخذه يوم السفر.

ويوم السفر اشتريت أقتين من التفاح.. ودستتين من الجوارب والمناديل الملاح.. ولفة قمر الدين.. وقطعة من الصوف الثمين.. وعُدة حلاقةٍ ألمانية.. وعصاً يابانية.. وحملتُ الجميع في الشنطه.. وذهبت إلى بيتهم لآخذ الفنوغراف وأنطلق إلى المحطة.. فخرجت لي خادم تنظر لي باستخفاف وفتور.. وتقول: يقولون إن الفنوغراف مكسور.. قلت أين سيدك أيتها الخادم.. قالت نائم.. فوقفت أمام السلاملك.. وأنا في ذهول:

فنوغرافكم أو بيتكم أو جراحكم..

وما يرتجى منكم حقير مذمَّمُ

لقد حسبوكم – غالطين – ذواتها..

وأنتم من السُفلى أخس وألأمُ

والله إن الجلف في كِسر كوخه..

لأكرم منكم ألف ضعفٍ وأعظمُ

وما مثلكم – أهل الدناءة – من يُرى..

على بابهم شهم كريم مُعممُ

أنتم قوم بالتأنيب أحــرى..

ومعرفتكم هي الأولى والأخرى

شاهد أيضاً

يوسف إدريس

سورة البقرة.. يوسف إدريس

ما كادت الفاتحة تُقرأ ويسترد يده من يد الرجل، ومبروك! ويتأمل مليًـا البقرة التي حصل …

اترك رد