الفرق بين الكتابة للأطفال والكتابة للكبار .. جميلة شحادة

جميلة شحادة
جميلة شحادة

 

الكتابة هي أحد أنواع التعبير عن المشاعر الإنسانيّة التي تجول في خاطر الكاتب، وعن أفكاره، وآرائه، وخبرته الإنسانيّة في الحياة؛ وعندما تكون هذه الكتابة جميلة وبليغة التعبير، وتؤثر في نفوس القرّاء سواء كان ذلك شعرًا أو نثرًا، ندعوها أدبًا.

وجدير  بالذكر أنه ومنذ القرن العشرين بدأت كلمة أدب تدل على معنيين؛ عام ويطلق على كل ما يُكتب في اللغة مهما يكن موضوعه وأسلوبه، وكل ما ينتجه العقل البشري من علم وفلسفة وأدب، ومعنى خاص يُراد به التعبير الجميل المؤثر في المشاعر (ضيف، 1983).

على أي حال مهما كان المعنى الذي تدل عليه كلمة أدب، المهم أنه للإنسان ومن الإنسان، وهذا بالطبع يشمل الطفل بجميع مراحل الطفولة؛ المبكرة (من 3 – 5  سنوات)، والمتوسطة (من 6 – 8  سنوات)، والطفولة المتأخرة (من 9 – 12 سنة تقريبًا)، ومرحلة اليقظة الجنسية (من 13 – 18 سنة) (عبد الفتاح، 200).

غير أن الكتابة للأطفال تختلف عن الكتابة للكبار، ولها مميزاتها التي يتوجب على الكاتب للأطفال أن يعرفها، ويأخذها بعين الاعتبار عند الكتابة؛ حيث غفل عنها الكثيرون من الكُتّاب المحليين في أدب الأطفال، فعندما نقرأ أدب الطفل العربي، نجده غالبًا يعبر عن كاتبه وليس عن جمهوره (الأطفال)، ويعكس مشاكل وإشكاليات البالغين لا الأطفال، بل ويعبر عن وجهة نظر البالغين. سواء من حيث الأفكار المتضمنة في العمل، أو من حيث حجم النص، أو المفردات اللغوية المستخدمة.

ولما كان إدراك الطفل يتفاوت مع إدراك البالغ، فإنه لا يتوقع من الطفل استيعاب المعاني التي قصدها البالغ عند كتابة النص الأدبي. فإذا كان أدب الكبار تبدعه القرائح، وتتم عملية الإبداع في ظل مطالب الحياة دون شروط سابقة وتوجيهات خاصة، فإن أدب الأطفال على العكس من ذلك؛ حيث يجب أن يُكتب في ظل شروط سابقة، وينطوي على توجيهات.

وأول ما يجب أن يأخذه الكاتب في أدب الأطفال بالحسبان هو الناحية التربوية في كتاباته، حيث تتضمن كتاباته رسائل تربوية أو قيم إنسانية، اجتماعية وغير ذلك من القيم، على أن لا يغفَل الكاتب عن الناحية الجمالية والفنية في صياغة كتاباته؛ فلا يجب أن يُنظر للاعتبارات التربوية على أنها معوقات تحدُّ من انطلاق الكاتب، وتُفقد النص عنصر التشويق، هذا بشرط أن لا يعتمد الكاتب أسلوب الوعظ أو أسلوب التلقين، والأسلوب التقريري؛ بل عليه أن يصيغ كتاباته بأسلوب تشويقي، ويفتح أبواب التفكير والإبداع والابتكار عند الطفل، وهذا من أهم أسس الكتابة للأطفال.

عنصر آخر على الكاتب في أدب الأطفال أن يأخذه بعين الاعتبار؛ هو أن أدب الأطفال أدب خيالي، في الوقت الذي ينطوي فيه أدب الكبار على الكثير من المواقف، وأنه عمل لغوي يمثل تجربة إنسانية تجاه الكون والحياة والمصير، ومبدعه لا يملك خلال عملية الإبداع إلا أن يكون صادقًا وحساسًا ومنفعلاً. لذا على الكاتب في أدب الأطفال أن يهتم في كتاباته بأن يحرك خيال الأطفال وينميه، ولا سيما أن الخيال هو نافذة التطلع على المستقبل.

وبما أن طفل اليوم ليس ذلك الطفل الذي عرفناه قبل أربعة عقود وأكثر، في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي؛ لذا على الكاتب في أدب الأطفال أن تثير كتاباته في الطفل عنصر التشويق، وتوقظ موهبته، وتقوي ميوله، وتحثه على التفكير والتخيل، وأن يكتب له عن الخيال العلمي لا بهدف نقل المعارف فقط، وإنما لكي يُخرج أدب الأطفال من ميادينه التقليدية، وليحفز الطفل على البحث، وإرضاء فضوله إزاء العلم، وإزاء استكشاف الفضاء والعوالم المجهولة.

فرق آخر وجب التطرق له في أدب الأطفال، هو أن هذا النوع من الأدب (أدب الأطفال) هو مشاهدة بصرية، أي قراءة ومشاهدة للرسوم، وأيضًا يتلقاه الطفل عن طريق الأذن؛ بينما أدب الكبار في معظمه أدب على ورق، يُقرأ كثيرًا ويُسمع قليلاً. كذلك فإن أدب الأطفال له خصوصيته في الوقت الذي يميز أدب الكبار حريته واستمراريته. وعليه يجب أن يكون الكاتب في أدب الأطفال على وعي كامل بالاعتبارات الفنية، بل ودارسًا لأسلوب الكتابة غير معتمد على موهبته في الكتابة فقط.

إن الكتابة للأطفال تفوق صعوبتها الكتابة للكبار. وإن لم يستطع الكاتب في أدب الأطفال أن يكتب بلغة تكون بمستوى جميع الأطفال الموجه لهم عمله، ولا يستطيع أن يثير فيهم شغف القراءة والمثابرة عليها، ولا يثريهم بثروة لغوية، ولا ويفتح أبواب التفكير والإبداع والابتكار لديهم، ولا يساهم بتنمية قدرة التخيل لديهم، فالأفضل أن يوفر جهده ووقته لأمور أخرى.

* الناصرة.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

صناعة الأصنام .. رحاب السماحي

  لم تنتابني أية دهشة حيال السعار والزوبعة التي نجمت عن انتقاد الشيخ الشعراوي، كنت …

اترك رد