الأموات يروون الحكايات (7ــ 49) .. سيومي خليل

سيومي خليل
سيومي خليل

 

رواية الماضي: هو

(3)

ثلاث لحظات من تاريخي لا أنساها؛ لحظة الطرد من المدرسة بسبب توزيع بيانات التضامن مع فلسطين، ولحظة السقوط في ذلك اليوم الماطر، ولحظة هيامي بفاطمة التي ما زلت أحملها صورة في. أنا كائن بماضٍ ضحل، ليس فيه ما يثير، لكنه يستحق أن يُحكى.

***

ستبدأ حكايتي الأولى بعد الحديث الذي دار بيني وبين جارتنا والدة  صاحب موكو الأول. في أحد الأيام لم أفتح عليَّ باب غرفتي. كانت الوالدة تطرق الباب، وتنادي عليّ دون أن أجيبها «ابني.. ابني».. أسمع نباح موكو الذي صار ملكي لا غير ولا أبالي بصوت الوالدة الحنون. لم أخرج من الغرفة طيلة اليوم، كنت ممددًا على الفراش أراقب سقف الغرفة كأني أشاهد فيلمًا مثيرًا.

في الليل بدأت أصيح، صوتي كان فظيعا تلك الليلة. سيكون أَفَظع صوت أصدره في حياتي. سمعت خطوات والدتي تقترب من باب الغرفة، ونباح موكو هو الآخر «ما بك ابني؟ أرجوك افتحْ الباب». فتحت الباب، كنت مُتَعرّقَا، يداي ترتعدان بشكل واضح. عانقتني والدتي فخلتها للحظة فاطمة «اللهم أبعد عنك كل أذى يا ولدي».. همست الوالدة أكثر من مرة . قلت لها «هم السبب يا أمي».  وأَشَرتُ لها بيدي إلى مجموعة من الرجال كنت أنا من يراهم لا هي.

***

كَانوا ثلاثة رجال أضخم مني، صفعني الأول وبدأ يسب «يا ابن القحبة أصبحت مناضلاً، تُوزع منشورات».

حكيت للوالدة ما وقع تلك الليلة، وكيف كان الرجال الثلاثة يصفعونني بقسوة، ويشتمونني بتلذذ. تناوب المحققون الثلاثة على أذيتي يا والدتي كأن بَيننا ثأر قديم. اسمك، اسم أبوك، اسم أمك، لأي حزب تنتمي، ما هي مخططاتك، هل كنت  تنوي السفر إلى فلسطين، هل سبق وحملت سلاحًا؟ كان كل سؤال يأتي بعده سيل من الركلات والصفع. «لا أعرف».. كان هذا جوابي.. «لا أعرف». حَكَيتُ لهم ما وقع لا غير، حكيت لهم أن شخصًا قدم لي منشورًا فطلبت أن أساعده في نشره. «أشفقت على إخوتي الفلسطينيين لا غير».. قلت لهم. انهال عليَّ أحدهم رفسًا بعدها، وفي الأخير…

قبل أن أقول لوالدتي ما وقع في الأخير بدأت أبكي. ابتعدت عن والدتي. قلت «لقد قاموا في الأخير…» شَرقت برضابي وريقي والغصة التي ما زلت أحملها إلى الآن. لقد وضعوا قنينة كوكاكولا في إستي، أَجلسوني عليها بكل عنف، بكل عنف وحقد دفين. قلت للوالدة إنهم كانوا يضحكون وهم يضعون عنق القنينة في إستي، كنت أتألم بحق، تَمنيت لحظتها لو لم أكن يومًا هنا، لو لم أعش مع من لم يأخذوا من صفات الكلاب إلا أسماءها.

قلت لوالدتي بعدها إنهم قاموا بعد ذلك بفتح رأسي. أمسكوا الرأس جيدًا، وأخذوا مشرطًا حادًا، فتحوا فجوة صغيرة فيه، ثم أدخلوا بعدها قطعة بلاستيك صلبة وصغيرة إلى المخ. أشرت إلى مكان تواجد قطعة البلاستيك في رأسي «إنها هنا يا والدتي، فوق أذني اليسرى مباشرة. كلما وضعت يا والدتي سبابتي عليها تُؤلمني».

كانت والدتي تسمع كلامي مندهشة وأنا أتحدث معها بتوتر واضح؛ أمشي، أقف، ثم أمشي من جديد، أقترب من جسدها النحيل، أبتعد عنه، ثم أصيح «هم من فعلوا بي ذلك».. نمت بعدها وتركت الوالدة صاحية.

لا شك أن الوالدة وأنا أحكي لها أولى حكاياتي الملفقة تذكرت كيف ذهبت هي والوالد حين قبض عليّ إلى مخفر الأمن لإخراجي منه، ورغم أن خالي كان شرطيًا فإن المحققين الثلاثة كانوا أذكياء، فهم لم يكسروا طلب خالي بإخراجي بسرعة من المخفر، لكنهم عمليًا لم يخرجوني حتى قاموا بمهمتهم النتنة. قالوا «سنخرجه، لا يمكن لشاب مثله أن يظل هنا، لكن بعض الإجراءات سَتُبقيه معنا ساعة أو ساعتين لا غير». أكيد أن الوالدة تذكرت ليلتها أيضًا كيف ارتاحت لهذا الخبر، فساعة أو ساعتين أو أكثر من ذلك هي مدة قصيرة جدًا. لكن يا والدتي ما لا تعرفينه حينها أنهم فعلوا في تلك الساعة ما سأحمله حتى لحظات قتلي.

***

بعد تلك الليلة سأشرع في قول حكايتي للجميع، مع تغيير بسيط، سأزيل مشهد وضع القنينة في إستي، فمن العيب أن تخبر أحدًا غير أمك بأن رجلَ أمن قام بوضع قنينة في إستك. كل من وجدته أحكي له القصة التالية:

أتعرف أني ذهبت للمريخ، إن كنت لا تعرف قصتي اسمعها الآن، أنت تعرف أني سبق ووزعت مناشير من أجل القضية الفلسطينية، كان ذلك سنة 1948، أو سنة أخرى، أو بعدها بعقد أو عقدين من الزمن، فأنا لم أعد أذكر تحديدًا، ولأن بلدنا عادل جدًا، فقد أرسلت وزارة الداخلية ثلاثة رجال طيبين، كانت بسمة الرجال جميلة، وكلامهم في منتهى الرقة والأدب، طلبوا مني قبول دعوتهم للسفر إلى المريخ، فجزاء لي على توزيع المنشورات وضعوني على صاروخ، حين عدت من السفر وضعوا في رأسي قطعة بلاستيكية بها كل ما يمكن للمرء أن يسعى إليه من معارف، قالوا لي.. هذه القطعة البلاستيكية ستجعلك لا تنسى ما وقع لك، ستجعلك تفكر بسرعة قبل أي قرار تتخذه، ستجعلك تعرف كل شيء دون أن تكون على سابق معرفة به، إنها القطعة نفسها التي وضعت في رأس كل من زارنا لنفس السبب الذي زرتنا بسببه، إن كان الآخرون يستغرقون وقتًا في عملية حسابية بسيطة، أنت «غ تحسبها طايرة»*.

 أكرر «غ تحسبها طايرة» أكثر من مرة. وأترك محدثي الأول لأَنْتَقل إلى آخر.

كانت الوالدة تراقب كل ما يقع لي في صمت. في أحد الصَباحات، وقبل أن أخرج مع موكو كالعادة وكلبة دوبرمان هزيلة عثر عليها، أمسكتني والدتي بخشونة من يدي، وقالت «ما هذا الكلام الذي تقوله للناس». «ما وقع يا والدتي».. أُجيبها. «ما وقع أيها المجنون أن رجال الأمن أطلقوا سراحك بعد نصف ساعة من اعتقالك بسبب تدخل خَالك، فما إن عَرفوا أنَّه قريبك حتى بدؤُوا يُعاملونك معاملة حسنة». نظرت إلى الوالدة، واستغربت كيف يكون العمر مخربًا للذاكرة بهذا الشكل. كي لا أقول للوالدة إنها مخطئة، وأنَّ ذاكرتها تعطلت، قلت لها «وهل كانت نصف ساعة كافية لتَعذيبي بتلك الطريقة؟ يا لهم من مهرة استطاعوا في ظرف نصف ساعة أن يعذبوني بطريقة محترفة ومؤلمة».

خرجت وتركت الوالدة. موكو كان ينبح محفزًا الكلبة الدوبرمان على اللحاق به. «منير.. منير».. «ماذا هناك موكو؟» «هل فعلاً يمكن لنصف ساعة أن تكون وقتًا كافيًا لتعذيب شخص ما؟» موكو ينبح وهو ينظر جهة الكلبة الدوبرمان. «منير هل فعلاً عُذبت؟ عو.. عو… هل وُضعت قنينة في مؤخرتك الهزيلة؟ أف.. أف، يا له من قرف، فنحن الكلاب ليس عندنا تعذيب مثل هذا، لذا أسألك مستغربًا. الكلاب يا منير لا تُعذب بهذا الشكل، حتى أسوأ الكلاب لا تُعذب هكذا». توقفت ونهرت موكو الذي ازداد نباحه دون سبب. هرب بعيدًا مع كلبة الدوبرمان. وقفتُ أنا وسط الشارع وخَلعتُ ملابسي كلها باستثناء الثبان، وصحت:

الكلاب لا تُعذب هكذا، وأسوأ البشر يعذبون.

*غ تحسبها طايرة: كناية عن التفكير قبل الإقدام على أي فعل.

شاهد أيضاً

محمد عادل

شوبان .. محمد عادل

  أستمع أحيانًا إلى موسيقى شوبان وأقول في نفسي: «كيف لرجل لم يشهد بشاعة الطاعون …

اترك رد